الكرد ولعبة المصالح الروسية شرق الفرات

على ضوء الخريطة السياسية ولعبة المصالح الإقليمية والدولية في منطقة شرق الفرات، يبدو المشهد السوري بشكلٍ عام والمشهد على الساحة الكردية في شرق الفرات بشكلٍ خاص في طور إعادة رسم ملامحه للدخول في ترتيبات الحل السياسي التي يجري الإعداد لها بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في القضية السورية ومن بينها روسيا التي تسعى لتثبيت وقائع جديدة على الأرض في المنطقة تساعدها في تحقيق أكبر قدر من مصالحها في سورية وفي المنطقة التي تضم أهم موارد سورية من الطاقة والمياه والأراضي الزراعية.

في إطار هذه الترتيبات يحمل الدور الروسي المتنامي في المنطقة، ومحاولات التقرّب من الكرد تارةً والضغط عليهم تارةً أخرى العديد من الأهداف التي تسعى روسيا لتحقيها في غمرة الانشغال الأمريكي بالانتخابات الرئاسية، ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض قبل وصول إدارة بايدن إلى البيت الأبيض.

وفي هذا الصدد يمكن وضع الاتفاق الأخير الذي جرى بين الروس والكرد الخاص ببلدة عين عيسى شمال الرقة ضمن إطار الترتيبات التي تسعى روسيا لفرضها قبل الدخول بترتيبات الحل السياسي في سورية.

لو أردنا في جردة بسيطة سرد أهم الأهداف الروسية في منطقة شرق الفرات التي يسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية “قسد”، لوجدنا أنها تدور في فلك ثلاث نقاط أساسية، وهي:

النقطة الأولى تتمحور حول الانفتاح الاقتصادي على المنطقة التي تسيطر عليها “قسد” والتي تضم أهم ثروات سورية من النفط والغاز، كحقول الرميلان والشدادي والسويدية والجبسة وكراتشوك وغيرها، إلى جانب اعتبارها سلة الغذاء الرئيسة لسورية بإنتاجها لأهم المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والقطن والعدس وغيرها، فضلاً عن احتوائها لأهم السدود التي تعتبر مصدراً مهماً للمياه وتوليد الطاقة الكهربائية كسدود الفرات وتشرين والبعث.

طبعاً أهمية هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية تدفع روسيا لمحاولة التغلغل فيها والسيطرة عليها كمحاولة لتحصيل فاتورة دعمها للنظام السوري، متبنّية في تحقيق ذلك استراتيجية “حوار السقف المرتفع” التي تهدف إلى الضغط على الإدارة الذاتية وجرّها باتجاه النظام كخطوة أولية بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية، تليها خطوة ضم الكرد إلى المعادلة الروسية – السورية في الحل السياسي المنشود القائم على فكرة التخلّي عن إسقاط النظام، والقبول به في الترتيبات المستقبلية للحل السياسي مقابل منحهم بعض الامتيازات كالاعتراف ببعض حقوقهم الثقافية دون القبول بشروط الإدارة الذاتية لا سيّما الشرط المتعلق بالاعتراف بالإدارة الذاتية واعتبار قوات “قسد” جزءاً من تركيبة الجيش السوري في المستقبل.

وفي هذا الصدد يمكن وضع الاتفاق الأخير الخاص ببلدة عين عيسى شمال الرقة ضمن إطار نفس هذه الفكرة التي تسعى روسيا إلى تحقيقها بعد الضغط على الكرد وإجبارهم على القبول بالاتفاق الذي قضى بإنشاء نقاط عسكرية مشتركة بين “قسد” من جهة وقوات النظامين  الروسي السوري من جهة أخرى، مع انسحاب جزئي لقوات “قسد” من البلدة ودخول الشرطة العسكرية الروسية إلى مركز البلدة بمرافقة مجموعات عسكرية من الفرقة 25 مهام خاصة (قوات النمر سابقاً) ورفع العلم الروسي على عدد من المقار والمؤسسات داخل البلدة  ومن ثم تسليم ريف عين عيسى بالتدريج (خلال فترة تمتد بين 8 أشهر إلى سنة) لقوات النظام وروسيا وتفعيل دوائر الدولة في المنطقة.

أما النقطة الثانية فتدور حول محاولة خلق شرخ بين الكرد والأمريكان من خلال تفكيك تحالفهما وسحب الملف الكردي من المنافس الأمريكي، وفي هذه النقطة يلعب الروس لعبة تقوم على شقين، الشق الأول هو محاولة اللعب على الانقسامات الداخلية الكردية بين تيارين اثنين يقود الأول مظلوم عبدي قائد قوات “قسد” ويدفع باتجاه استمرار التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، في حين يقود الثاني العناصر المقربة من حزب العمال الكردستاني pkk والذي يدفع باتجاه التقرب من الروس ودفعهم للعب دور أكبر في المنطقة على حساب الدور الأمريكي.

في حين يقوم الشق الثاني على محاولة تعزيز الوجود العسكري الروسي في المنطقة من خلال السعي لتشكيل فصيل عسكري جديد يغلب عليه العنصر العشائري العربي مناوئ للوجود الأمريكي من جهة ومن جهة أخرى يكون ورقة ضغط ضد الكرد في مناطق الإدارة الذاتية يستخدمه الروس متى شاءوا مستثمرين في تحقيق ذلك الرفض الشعبي المتنامي في الفترة الأخيرة لـ “قسد” وخصوصاً بعد اغتيال العديد من الشخصيات العشائرية البارزة، ومن هنا تأتي المساعي الروسية لتنظيم العشائر العربية وتسليحها بهدف تكوين قوة رديفة لها تكون مناهضة للوجود الأمريكي، وفي نفس الوقت عنصر موازن للقوات الكردية المسيطرة في المنطقة وعنصر تهديد لما تبقّى من مشروع الإدارة الذاتية.

في حين أن النقطة الثالثة تتمحور حول استمالة الكرد لاستخدامهم كورقة ضغط ضد تركيا في محاولة من روسيا لاستثمار هذه الورقة في تفاوضها مع تركيا لدفعها إلى تقديم تنازلات في مجالات عسكرية أو سياسية أو اقتصادية سواءً في سورية أو في غيرها من الملفات الأخرى التي تدخل بها الدولتان كطرفين متنافسين كـ ليبيا أو إقليم ناغورنو كارباخ أو حتى شرق المتوسط.

وبالتالي تكتسب منطقة شرق الفرات أهمية كبرى في إطار الاستراتيجية الروسية التي تسعى منذ تدخلها العسكري في سورية في خريف عام 2015، إلى سحب الملف الكردي من المنافس الأمريكي وتوسيع مناطق نفوذها شرق الفرات عبر سعي مستقبلي لسيطرة كاملة على سورية تحقق لها أهدافها وغايتها الأساسية.  

عن د.بشار نرش

أكاديمي وباحث سوري متخصص بالعلاقات الدولية

شاهد أيضاً

الدور الفرنسي في خلق النزعات الانفصالية في منطقة الجزيرة السورية بين عامي ١٩٢٠ – ١٩٤١

شكَّلت منطقة الجزيرة السورية نقطة إلتقاء حضاري لكل شعوب المنطقة وحضاراتها، مُنذ العهد السومري القديم …

3 تعليقات

  1. Hi there, just became alert to your blog through Google, and found that it’s truly informative. I am going to watch out for brussels. I will appreciate if you continue this in future. A lot of people will be benefited from your writing. Cheers!

  2. Hello, Neat post. There is an issue along with your website in web explorer, might check thisK IE nonetheless is the marketplace chief and a large element of other folks will leave out your fantastic writing due to this problem.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *