قراءة في الاتفاق الروسي–التركي حول إدلب

جاء اللقاء الذي جمع الرئيسان بوتين وأردوغان في موسكو يوم الخميس المنصرم ليضع مجموعة من إشارات الاستفهام حول الوثيقة التي تم توقيعها بين الجانبين، والتي حملت عنوان “البرتوكول الإضافي للمذكرة حول إرساء الاستقرار في منطقة إدلب لخفض التصعيد والمؤرخة بيوم 17 أيلول 2018″، والتي تضمّنت مجموعة من النقاط، أهمها:

1-  وقف كافة الأعمال القتالية على خط التماس القائم في منطقة إدلب لخفض التصعيد اعتباراً من منتصف ليل الخامس من آذار عام 2020.

2-  إنشاء ممر آمن عرضه ستة كيلومترات شمال الطريق الدولي M4 ومثلها جنوبه، ليتم تنسيق المعايير الدقيقة لعمل الممر الآمن عبر قنوات الاتصال  بين وزارتي الدفاع للاتحاد الروسي والجمهورية التركية في غضون سبعة أيام.

3-  بدء الدوريات الروسية التركية المشتركة يوم 15 آذار 2020 على طول الطريق الدولي M4، من بلدة ترنبة الواقعة غرب مدينة سراقب وعين الحور بريف جسر الشغور.

تضعنا القراءة السياسية الأولية للوثيقة الجديدة، وما تمخض عنها من نقاط، أمام مجموعة من التساؤلات المهمة التي لم يأتِ ذكرها في الوثيقة، وهي:

_  مصير قوات النظام السوري والميلشيات المساندة في المناطق التي سيطرت عليها بعد هجومها على قرى وبلدات منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب، والتي بدأت في كانون الأول من عام 2019 وتسبب بكارثة إنسانية كبرى، والتي سبق للرئيس أردوغان بتوجيه تهديد لها بضرورة الانسحاب إلى ما خلف حدود اتفاق سوتشي، وهذا أول هذه التساؤلات وأهمها.

_  أما التساؤل الثاني فيتعلق بمصير نقاط المراقبة التركية الموجودة خلف خطوط قوات النظام السوري بعد تقدمها الأخير وسيطرتها على العديد من قرى وبلدات ريفي إدلب وحلب.

_  ثالث هذه التساؤلات يتعلق بوضع الطريق الدولي (حلب – دمشق) M5 ، الذي لم يأتِ على ذكره في الوثيقة نهائياً، والاقتصار على ذكر الطريق الدولي M4 الذي تسيطر عليه الفصائل الثورية حيث سيتم إنشاء ممر آمن وتسيير دوريات مشتركة روسية – تركية.

_  يتعلق التساؤل الرابع والأخير بآلية تنفيذ ما اتفق عليه بين الجانبين، وخاصةً فيما يتعلق بعودة النازحين السوريين إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم، بعد تخطي عددهم المليون نازح نتيجة سيطرة النظام والميلشيات المساندة لها على هذه المدن والبلدات والقرى في ريفي إدلب وحلب.

 

تضعنا التساؤلات السابقة أمام مجموعة من الوقائع الجديدة، وهي:

1-  مع توقيع الوثيقة الجديدة تعتبر حدود سوتشي القديمة لاغية، وبالتالي فالحدود المعدلة في الوثيقة هي الحدود الجديدة التي فرضها الواقع العسكري بأدوات سياسية، أي الاتفاق الجديد هو تعديل لاتفاق سوتشي.

2-  بموجب الوثيقة الجديدة حقق النظامان الروسي والسوري مكاسب كبيرة بعد السيطرة على مساحات واسعة ومدن استراتيجية في منطقة    خفض التصعيد الرابعة، والتي شملت مورك وخان شيخون ومعرة النعمان وسراقب وبعض قرى وبلدات جبل الزاوية.

3-  بموجب الوثيقة استطاع الأتراك وقف تقدّم قوات النظام مع الاعتراف الروسي بحق الأتراك بالرد في حال خرق الاتفاق من قبل قوات النظام والميليشيات المساندة لها.

4-  تناول الوثيقة لهذه النقاط فقط واغفال العديد من النقاط الأخرى المهمة يوحي بوجود خلاف روسي – تركي، ما يجعل الباب مفتوحاً لعودة العمليات العسكرية من جديد.

وفي ضوء هذه الوقائع الجديدة يمكن طرح السيناريوهات التالية:

_  السيناريو الأول: صمود وقف إطلاق النار الذي تم الإعلان عنه لفترة زمنية، وبالتالي بقاء مناطق السيطرة وفق ما تم الاتفاق عليه، وهذا السيناريو  ضعيف جداً باعتبار أن البنود المعلنة في الوثيقة عامة والتفاصيل قليلة ويمكن أن تنفجر الأوضاع في أي لحظة والعودة لنقطة الصفر.

_  السيناريو الثاني: فشل تنفيذ بنود الاتفاق والعودة للعمل العسكري مع توسع العمليات لتشمل دخول أكثر للأتراك في المعارك واستخدام أعنف    للأسلحة في المعارك، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً خاصة في ظل قبول الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو بدعم العملية التركية في إدلب وتزويد تركيا بالأسلحة والمعدات لاستمرار عمليتها.

_  السيناريو الثالث: توسيع الاتفاق الروسي – التركي مع دخول بعض الأطراف الأخرى على الخط كإيران لتفعيل مسار أستانا من جديد والتوصل إلى تسوية جديدة.

بالمحصلة يمكن القول إن ما تم التوصل إليه بين بوتين وأردوغان هو مجرد وقف لإطلاق النار هدفه تعليق العمليات القتالية لفترة زمنية محددة قد لا تطول كثيراً، وخاصة إذا ما تحصّلت تركيا على دعم أمريكي ودعم الناتو لاستمرار عملية “درع الربيع” في إدلب، فأسوأ ما تم التوصل إليه هو الإبقاء على مناطق السيطرة وفق ما تم الاتفاق عليه، وأفضل ما تم التوصل إليه هو الاعتراف الروسي بحق تركيا بالرد في حال خرق الاتفاق من قبل قوات النظام وهو الأمر الذي يتوقع حصوله وبالتالي استمرار عملية “درع الربيع” بزخم أكبر.

عن د.بشار نرش

أكاديمي وباحث سوري متخصص بالعلاقات الدولية

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …