إعادة إعمار سورية بشرياً

عبر التاريخ شكلت الحروب المدمر الحقيقي ليس فقط للبنية التحتية المادية للدول، وإنما للبنية البشرية أيضاً، ويعدّ القرن العشرين المنصرم من أكثر القرون دموية في تاريخ البشرية المعاصر، حيث ترجح بعض التقديرات أن مابين70-85 مليون إنسان لقوا حتفهم  خلال  الحرب العالمية الثانية فقط، وهو رقم كان يشكل 3% من عدد سكان العالم في العام 1940.

تطالعنا بين الفينة والأخرى مؤسسات متخصصة ومراكز بحث ووسائل إعلام بأرقام وتقديرات حول الخسائر التي تكبدها الاقتصاد السوري منذ العام 2011 وحتى الآن، إضافة لتقديرات الأموال اللازمة لإعادة إعمار البلاد. ورغم فداحة هذه الخسائر وهوّل تقديرات إعادة الإعمار، فمجموع الاثنين ربما يتجاوز الواحد تريليون دولار، إلا أن هناك خسائر فادحة أخرى يجسدها النزيف البشري الحاد التي لا زالت تعاني منه سورية في ظل عدم وجود أفق لحل ما على الأرض، ويعدّ تعويضها أو إعادتها أكثر أهمية من الأموال والبنية التحتية المادية.

تشير الأرقام والإحصاءات إلى أن عدد السوريين الذين فروا من الحرب بعد تسعة أعوام على اندلاعها قد بلغ قرابة 14 مليون إنسان، نصفهم نزح إلى مناطق متعددة داخل سورية، والباقي يتوزعون على معظم قارات العالم، حيث لجأ خمسة ملايين ونصف إلى دول الجوار، وقرابة 1.5 مليون إلى أوربا وباقي دول العالم، ويشكل هؤلاء ثلثي سكان سورية تقريباً، ناهيك عن مئات آلاف الضحايا والمعتقلين.

  • الإنسان وإعادة إعمار المانيا واليابان

تعدّ المانيا واليابان من أكثر البلدان تضرراً من نتائج الحرب العالمية الثانية، سواء كان ذلك من الناحية المادية أو البشرية، إضافة إلى بلدان أخرى كالصين والاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن تجربة كلاً من اليابان والمانيا طالما كان يشار إليهما عند الحديث عن دور الإنسان في إعادة إعمار البلدان بعد الحرب. على سبيل المثال، في مدينة برلين الالمانيا شاركت 60 ألف امرأة تقريباً في إزالة الأنقاض، وعرفنّ حينها بنساء الأنقاض، وأستطاعت المانيا العودة بفضل عنصرها البشري بعد عقود لتصبح إحدى أكبر الاقتصادات العالمية.

كذلك كان الحال في اليابان البلد االذي تعرض في تلك الحرب إلى هجوم أمريكي بقنبلتين نوويتين، أدى إلى مقتل مئات الآلاف من سكان مدينتي هيروشيما وناكازاكي، إضافة إلى ملايين الضحايا خلال سنوات الحرب، لتخرج بعدها البلاد من الحرب مدمرة ومنهكة إقتصادياً وبشرياً.

أدرك اليابانيون عند بدء التفكير في إعادة الإعمار أن أمامهم معضلة إضافية، وهي أن اليابان بلد يعاني أصلاً من شح الموارد الطبيعية التي من الممكن أن تساهم في تخفيف أعباء إعادة الإعمار، فما كان أمامهم إلا الاعتماد على العنصر البشري كعمود فقري لنهضة البلاد، وبالفعل استثمرت الحكومات اليابانية في العنصر البشري بشكل فعّال، لتصبح اليابان اليوم أهم الاقتصادات العالمية، وثاني اقتصاد في آسيا بعد الصين، ويعتمد اقتصادها بشكل أساسي على الصناعات التكنولوجية المتطورة، التي تعتمد بدورها على رأس المال البشري والمعرفي.

  • رأس المال البشري السوري وإعادة الإعمار

إن أي حديث عن عملية إعمار لسورية، في ضوء أي إتفاق ربما يتم التوصل إليه في قادمات الأيام، يتجاهل هذا الكم الهائل من النزيف البشري ربما يكون ضرباً من ضروب الخيال، فسورية خسرت مئات الآلاف من أصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال واليد العاملة. كما أن نسبة ليست بالقليلة من السوريين، وخصوصاً ممن هاجر إلى أوربا ودول أخرى، ربما لن يقرر العودة على الأقل في المدى المنظور، خصوصاً بعد أن أسس حياة جديدة له ولأبنائه، فالكثير من أبناء من لجأوا بعد إندلاع الثورة بوقت قصير كانوا حينها أطفال، واليوم أصبحوا في عمر الشباب، كما أنهم تلقوا تعليمهم وتشربوا جزءاً كبيراً من ثقافات الدول التي يعيشون فيها، إضافة للذين ولدوا في تلك البلدان ولا يعرفون شيئاً عن بلدهم.

من جهة أخرى، يعاني الاقتصاد السوري ومنذ سنوات ماقبل إندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011 من ضعف في مساهمة الموارد الطبيعية في الناتج المحلي الإجمالي، ويعود ذلك لأسباب عديدة كالعوامل الطبيعية والمناخية، إضافة لسوء الإدارة والفساد والاستنزاف، ولوحظ ذلك جلياً في قطاعات كالزراعة والنفط وبدرجات متفاوتة في قطاعات أخرى.

كخلاصة يمكن القول إن إعادة إعمار سورية في المستقبل يجب أن تكون ثنائية المسار، فمسارها الأول هو المورد أو العنصر البشري ويتجلى ذلك في كيفية إقناع أكبر عدد ممكن من اللاجئين خارج سورية بالعودة للمساهمة في إعمارها، مما يعني ضرورة تهيئة المناخ السياسي والاجتماعي من خلال توفير مجموعة من الضمانات بعدم التعرض لهم أو لذويهم، وبذلك يتم فتح الطريق أمام عودة الكثير من الكفاءات العلمية التي يمكن أن تشكل رافعة قوية نظراً لما أكتسبته من معارف وعلوم حديثة خلال سنوات لجوئها في دول متطورة كالمانيا وباقي الدول الأوربية.

كما أن إتاحة الظروف لعودة اللاجئين من دول الجوار سيساهم بشكل كبير في دعم إعادة الإعمار، فهم أيضاً مزيج من كفاءات علمية وقوة عاملة وأصحاب رؤوس أموال، ولجوئهم إلى دول قريبة من سورية ربما يعدّ مؤشراً على نيتهم العودة عندما تتهيئ الظروف لذلك.

ويعتمد المسار الثاني وهو إعادة إعمار البنية التحتية المادية بشكل كبير على المسار الأول، لأن الاستغلال الأمثل للموارد الاقتصادية يحتاج اليوم إلى تكامل مجموعة من العناصر كرأس المال واليد العاملة المؤهلة، والكفاءات العلمية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة في ظل أساليب إدارية معاصرة.

عن د.عبد الكريم الحمود

باحث وأكاديمي في مجال الاقتصاد وإدارة الأعمال. يعمل كأستاذ مساعد في عدد من الجامعات السورية والتركية ومدرب دولي في مجال إدارة الأعمال والتنمية البشرية.

شاهد أيضاً

محددات البيئة الاستثمارية في الشمال السوري من وجهة نظر اقتصادية

هدف البحث إلى دراسة واقع الاستثمار، وتشخيص وتقييم العوامل الاقتصادية والسياسية والقانونية والتشريعية المؤثرة في …

370 تعليق

  1. كلامك صحيح دكتور
    لكن النظرة إلى إعادة إعمار سوريا بحدود سايكس بيكو برأيي هي نظرة قاصرة وإنما يتوجب التفكير في بناء المنطقة ككل أقصد العالم العربي والإسلامي ككل لأن سوريا لن تقوم لها قائمة ما دامت محدودة بحدود سايكس وبيكو وتحت رعاية الدول الكبرى عن طريق القادة العملاء.

  2. It is the best time to make some plans for the future and it’s time to be happy.
    I’ve read this post and if I could I wish to suggest you few interesting things
    or suggestions. Perhaps you can write next articles referring to this article.
    I wish to read even more things about it!

  3. Wow, awesome blog layout! How long have you been blogging for?
    you make blogging look easy. The overall look of your web site is great,
    let alone the content!

  4. There is certainly a great deal to know about this topic.
    I love all the points you have made.

  5. I’d like to find out more? I’d like to find out more details.

  6. Since the admin of this web site is working, no uncertainty very soon it will be well-known, due to its quality contents.