عالم ما بعد كورونا

من المبكر جداً الحديث عن تداعيات سياسية على مستوى العالم وعلاقات الوحدات المكونة له بعد موجة وباء ما اصطلح على تسميته ” وباء كورونا” COVED -19. وذلك لأسباب متعددة من بينها عدم انتهاء الموجة الوبائية بعد، بالرغم من ظهور تقارير علمية  تتحدث حول قرب انتهائها.

تأخذ مسألة مواجهة التغيير البيئي، والموجات الوبائية وآثارها الاجتماعية والاقتصادية حيزاً لا بأس به في تقارير المؤسسات البحثية الكبرى حول التحولات العالمية، ومن بينها التقرير الذي أعده مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركي عام 2017 Global Trends: Paradox of Progress

إلا أن التكهن بتسبب الموجة الوبائية لكوفيد -19  بتغير بنية النظام  الدولي الحالي تعد مفارقة شديدة الهلامية، وغير مستندة على قاعدة علمية  لسبب أساسي هو أن الموجة الوبائية لما تنتهي بعد ولم نتبين آثارها الاقتصادية والاجتماعية، ولم نعرف حتى الآن على وجه التحديد أي دول العالم التي تأثرت بنيتها الاقتصادية، والمالية حتى نسحب هذا التأثير على البنى السياسية وتغير مواقع الدول على أطراف ميزان القوى العالمي.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن “كورونا” لم يصب منطقة جغرافية بعينها بل ألقى بظلاله على العالم أجمع، وبالتالي فإن تقدير تحمل الدول ( وتحديداً الدول الكبرى) لآثار الموجة الوبائية لم تتضح بعد. وبالرغم من وجود تقديرات حالية على المستوى الاقتصادي إلا أن هذه التقديرات تصطدم بواقع واضح سبق وأشير إليه مراراً عند الحديث عن الأرقام والمعلومات، التي تصدر عن أنظمة سياسية مصمتة هي في بنيتها وآلية عملها أقرب إلى النظم السياسية الاستبدادية كما هو الحال في الصين وروسيا على سبيل المثال. وقد اشارت تقارير إعلامية متعددة وتصريحات رسمية لمسؤولين دوليين حول تلاعب الصين في المعلومات التي قدمت حول آلية عمل الفيروس COVED-19، وطرق علاجه والوقاية منه وصلاحية أجهزة الكشف والوقاية التي قدمتها الصين للدول الأخرى، فضلاً عن أعداد المرضى والذين فقدوا حياتهم في الصين التي تعدّ بؤرة انتشار هذا العامل المرض.

ويعدّ التساؤل الذي يثير حفيظة الباحثين في العلاقات الدولية: “هل سيتغير العالم بعد كورونا؟ وهل سنشهد هرمية جديدة لتوزع القوة الدولية بعده؟” تساؤلاً منطقياً نظراً لأن آثار الوباء تجاوزت الحدود السياسية للدول ووصلت لتلقي بظلالها على العالم كله.

نعم، يمكن أن تتغير بعض الأشياء في عالم ما بعد كورونا ولكن هذا التغير مفتوح على احتمالين شديدي التناقض، فقد يشهد العالم مزيداً من الاعتماد المتبادل Interdependence  الأمر الذي سيقود إلى مزيد من التعاون الدولي لمواجهة هموم العالم ودوله، ولاحتواء آثار ما بعد كورونا الاقتصادية والصحية؛ وقد يشهد العالم تقليصاً لممارسة مبدأ الاعتماد المتبادل وبذلك تلجأ الدول إلى ما يمكن أن نسميه ” سباق القوة”، والقوة هنا لا تعني القوة الصلبة أو العسكرية منها بل تعني مختلف أشكال القوة، الأمر الذي سيعزز احتمال تقارب بين مجموعة من الدول على قاعدة الاعتماد المتبادل الإقليمي (Regional Interdepends) أو الاعتماد المتبادل الحضاري القائم على التقارب الثقافي بين مجموعة من بلدان العالم ( Cultural Interdepends ).

ولكن أي من الاحتمالين هو الأقرب للحصول؟ قد لا يستطيع أحد في هذا الوقت المبكر من الموجة الوبائية تأكيده.

أما مسألة تغير بنية النظام الدولي فهي المسألة الأكثر جدلية وبعداً عن التنبؤ في هذا الوقت وذلك لأسباب متعددة أيضاً.

يأتي على رأس هذه الأسباب ما اتفق عليه علماء السياسة منذ ستينيات القرن الماضي، وهي مسألة اعتبار (القوة) المفهوم الأساس لمختلف الظواهر والنشاطات السياسية. فقوة أي دولة تقاس على الشكل التالي:

ق= (م ث + م م) ×( ذ ا× ت ا× إ س)

يشير (م ث) إلى المعطيات الثابتة للدولة، وهي موقعها ومساحتها وعدد سكانها وتوزع أعمارهم وقدرتهم على الانتاج.

ويشير (م م) إلى المعطيات المتغيرة كالقوة الاقتصادية والقدرة التكنولوجية والقدرة العسكرية.

ويشير (ذ ا) إلى الذهنية الاستراتيجية أي تعريف شعب الدولة المعنية لنفسه وانسجام هويته مع هوية من يحكمه، وقوة وتجذر هذه الهوية.

ويشير (ت أ) إلى التخطيط الاستراتيجي للدولة المعنية وكفاءة بناها السياسة والرسمية.

ويشير (إ س) إلى الإرادة السياسية التي تمتلكها حكومة هذه الدولة أو تلك.

وعليه يمكن القول بأن آثار موجة وباء كوفيد-19 إن لم تستطع التأثير بشكل مباشر على الذهنية والتخطيط والإرادة فإن هرمية القوة في النظام الدولي لن تتغير بفعل هذا الوباء، وما لم تستطع الموجة الوبائية من التأثير على أعداد السكان تأثيراً كبيراً أو على شريحة الشباب منهم على وجه الدقة، فلن يكون لها آثار مباشرة على تراتبية القوة الدولية الحالية. وما لم يستطع كورونا التأثير على المعطيات المتغيرة لعوامل القوة سواء القوة الاقتصادية أو القدرة التكنولوجية أو العسكرية فإن آثاره لن تغير من تراتبية القوة الحالية على المستوى الدولي.

تشير التجربة التاريخية والمقولات الواقعية حول آلية تمخض التنظيم الدولي منذ نهاية حرب الثلاثين عاماً وصلح وستفاليا عام 1648، مروراً بالتنظيم الدولي بعد الحرب العالمية الأولى، وظهور النظام الدولي الحالي في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى أن التغيرات الهيكلية الكبرى في بنية وتراتبية القوى الدولية بحاجة إلى ما هو أكثر من موجة الوباء الحالية.

وقد يختلف الواقع الحالي للعالم عن القرن الماضي لجهة الدمار الكلي الذي قد تتسبب به حرب عالمية قادمة، واستبعاد هذا الاحتمال نتيجة عدم القدرة على تخيل نتائجه، إلا أن التحليل النسقي للعلاقات الدولية وآلية تفاعل الدول، وطبيعة الدولة (تحديداً الدول التي مرت بتجربة الإمبراطورية) تؤكد الميل باتجاه العمل على تغيير تراتبية القوة الحالية في العالم.

إلا أنه من المؤكد حتى الآن أن الموجة الوبائية لكوفيد-19 لن تكون قادرة على تغيير الشكل الحالي لتراتبية القوة الدولية، ولربما تؤثر عليه إلا حد ما، ولكن هل ستصيب هذه الآثار الدول الأقل قوة أم الأكثر قوة؟ لا أحد يعرف بالضبط.

إن الإجابة عن التساؤل الأخير مرتبطة بالتأكيد بقدرة وبراعة هذه الدولة أو تلك على احتواء آثار الموجة الوبائية والخروج منها لا بأقل الخسائر فحسب، بل بأقل الخسائر التي تحمل تعظيم الأرباح المستقبلية، وهذه الأرباح والمكاسب المستقبلية لا تتعلق بالجانب الاقتصادي فقط وإنما ستتعداها إلى المكاسب التكنولوجية والاجتماعية  والثقافية والاعتماد على النفس، وتقديم النموذج الجذاب لباقي شعوب العالم.

 

 

عن د.عبادة تامر

دكتوراه في العلوم السياسية. أستاذ جامعي وباحث أكاديمي.

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …