الاقتصاد والتحول الرقمي

حملت السنوات الأخيرة الكثير من التطورات لا سيما في مجالات تكنولوجيا الاتصالات والانترنت، والسنوات المقبلة ستشهد ما يسمى “الثورة الصناعية الرابعة” وهو المصطلح الذي أطلقه المنتدى الاقتصادي العالمي الذي توقع أن 60-70% من القيمة التي سيخلقها الاقتصاد العالمي في العقد القادم ستعتمد على المنصات الرقمية.

هذا التحول الرقمي الكبير ترتب عليه ظهور مصطلح الاقتصاد الرقمي أو ما يسمى باقتصاد الويب، وهو الاقتصاد المبني على التكنولوجيا الرقمية متضمنة شبكات الاتصال الرقمية والحواسيب والبرمجيات، وكل ما يتصل بتكنولوجيا المعلومات.

مضمون الاقتصاد الرقمي

برز الاقتصاد الرقمي في عالم أصبح فيه الابتكار innovation أهم من الإنتاج الضخم mass production. والمفهوم الجديد للاقتصاد يعتمد بشكل أساسي على العقول البشرية، ويرتبط بتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والروبوت وغيرها.

فالأمر لم يعدّ مقتصراً على تبادل السلع المادية، وأصبح هناك اعتماد متزايد على الخدمة الموجه بالبيانات Data-oriented service فنجد بعض المنصات تتخصص ببيع المعلومات فقط، مثل رويترز، كما أنه في الاقتصاد الرقمي يمكن أن تبيع شيء ليس موجود بالفعل (كالتحليلات التي يقدمها خبير في مجال معين اقتصادي، سياسي الخ)، وأيضاً هناك مواقع تقدم خدمات تحليل البيانات، وهناك التطبيقات التي تبيع سلع ليست هي من تنتجها بالفعل وإنما تقوم بدور الوسيط بين منتج السلعة أو الخدمة والمستهلك.

جوانب الاقتصاد الرقمي

يتكون الاقتصاد الرقمي من جانبين: الجانب الأول يتعلق بالحكومة الالكترونية وما ينبثق عنها من كيانات افتراضية في مجالات (التعليم، الصحة، الخدمات العامة)، إضافة الى دور الحكومة في سن التشريعات والقوانين التي تحكم قواعد العمل والتصرفات في الفضاء الرقمي، وتهيئة البنية التحتية اللازمة للتحول الرقمي. أما الجانب الثاني فيشمل الأعمال الالكترونية والذي يتعلق بممارسة نشاطات الأعمال والتجارة باستخدام المنصات الرقمية.

حجم الاقتصاد الرقمي

تشير بعض التقديرات إلى أن حجم الاقتصاد الرقمي يشكل ما بين 15% الى 22% من الناتج المحلي العالمي، وقد بين تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD في أيلول 2019 حول الاقتصاد الرقمي استحواذ الولايات المتحدة الامريكية والصين على الحصة الأكبر في هذا الميدان، حيث يسيطر هذان البلدان على 90% من القيمة السوقية لأكبر 70 منصة رقمية في العالم، بينما تبلغ حصة أوربا 4%، في حين تبلغ حصة كل من أمريكا اللاتينية وافريقيا مجتمعتين 1% فقط.

كما أن هناك سبع منصات رقمية تستأثر بثلثي القيمة السوقية الاجمالية تأتي في المقدمة مايكروسوفت Microsot ثم تليها أبل Apple، وأمازون Amazon، وغوغل Google، وفيسبوك Facebook، وتنسنت Tencent، وعلي بابا Alibaba.

الابتكار في الاقتصاد الرقمي

بعيداً عن الحديث عن تفاصيل الاختلاف بين الاقتصاد الرقمي والاقتصاد التقليدي، فإن أهم ما يميز الاقتصاد الرقمي أنه قد لا يتطلب الأمر الكثير من المال المستثمر في الأصول الرأسمالية لابتكار فكرة تدر الكثير من الأموال، فهو كما أسلفنا يعتمد على العقل البشري وقدرته على الابتكار للوصول الى خلق القيمة.

فشركة أوبر التي سيطرت على نشاط المواصلات على نطاق عالمي واسع من خلال تطبيقها المعروف بـ UBER، بدأت المشروع بثلاثة سيارات أجرة في نيويورك، لتتحول لاحقاً الى شركة متعددة الجنسيات لخدمة تأجير السيارات في عدد كبير من الدول تتجاوز قيمتها السوقية ٧٠ مليار دولار، بينما لا تمتلك أي من السيارات التي تعمل لصالحها ولا توظف أي سائق لديها، كون السائقين يستخدمون سياراتهم الخاصة.

الاقتصاد الرقمي وشبح البطالة

تشكل البطالة وفقدان فرص العمل الهاجس الأكبر للتوسع في استخدام التقنيات الرقمية والالكترونية، نظراً للاعتقاد السائد بأن الآلة والوسائل التقنية ستحل محل اليد العاملة، وفي الحقيقة لا يوجد ما يدعو للقلق، بل أكثر من ذلك سيكون الأمر أفضل حالاً. فالدراسات تشير إلى أن ٧٥ مليون وظيفة يمكن أن تفقد بحلول ٢٠٢٥ لصالح الآلة، إلا أنه من ناحية أخرى سيتم استحداث ١٣٣ مليون وظيفة جديدة في مجال الاقتصاد الرقمي تشمل العمل الإلكتروني، وما يتعلق به.

 أخيراً، يمكن القول إن الاتجاه العالمي نحو التحول الرقمي يفرض علينا أن نكون على قدر المسؤولية للحاق بركب الدول الأخرى، وتهيئة البنية اللازمة لهذا التحول، والاستفادة من المزايا التي يحققها، فإضافة الى دوره في اختصار المسافات واختزال الحدود وسرعة انجاز المعاملات، وجعل الحياة أكثر سهولة، فإنه يعتبر محفز للأفراد على الإبداع والابتكار، وذلك من خلال البحث الدائم عن خلق أفكار جديدة تحقق المزيد من الدخل، وانشاء الاعمال عبر الانترنت، والمساهمة التي يحققها في زيادة الناتج المحلي،  كما يمكن أن يكون مصدراً لزيادة واردات خزينة الدولة من خلال الضرائب والرسوم التي يمكن جبايتها من أنشطة الاقتصاد الرقمي.

عن د.حمد الخلف

حاصل على الدكتوراه في المحاسبة من كلية الاقتصاد بجامعة حلب عام ٢٠١١، محاضر في عدد من الجامعات السورية العامة والخاصة. مدير مالي ومسؤول حسابات في عدد من الوحدات. مدرب في مجال البرامج المحاسبية.

شاهد أيضاً

محددات البيئة الاستثمارية في الشمال السوري من وجهة نظر اقتصادية

هدف البحث إلى دراسة واقع الاستثمار، وتشخيص وتقييم العوامل الاقتصادية والسياسية والقانونية والتشريعية المؤثرة في …