كورونا: ليست محنة عابرة بل نقطة تحول حاسمة.

يؤكد الكثير من خبراء الاقتصاد بأنه سيكون لأزمة كورونا تداعيات اقتصادية أكبر من تلك التي شهدها العالم في ظل الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي أطلق شرارتها انهيار قروض الرهن العقاري بالولايات المتحدة وسقوط بنك ليمان براذرز. ويقيسون ذلك بالضرر الناجم عن الآثار الاقتصادية التي أحدثها تفشي فيروس كورونا، على الرغم من الإجراءات الاحتوائية التي تبنتها الدول للحد من انتشاره.

وفي ظل هذا التفشي السريع للوباء يُجمع المحللون على أن عالم ما بعد كورنا سيختلف كثيراً عما قبله. حيث يتوقع البعض أن يؤدي تفشي الوباء إلى نظام عالمي جديد بقيادة الصين؛ ويعتقد فريق آخر أنه سيؤدي إلى زوال زعامة الصين. ويقول فريق ثالث إن العولمة ستنهي؛ ويأمل فريق رابع أن تكون فاتحة لعصر جديد من التعاون العالمي. أما الفريق الخامس فلا يزال يتوقع تقلص القومية لصالح الوطنية وتقوض التجارة الحرة، وتؤدي إلى تغيير النظام في مختلف البلدان. ونتيجة لذلك، تعدّ هذه الأزمة بأن تكون نقطة تحول أكثر من كونها محطة عابرة على طول الطريق الذي كان العالم يسير عليه منذ عدة عقود.

من المبكر لأوانه التكهن بموعد انتهاء الأزمة نفسها بفترة قد تكون في غضون أشهر أو قد تتجاوز السنة، وسيعتمد التوقيت على درجة اتباع الأشخاص للمبادئ التوجيهية للمسافة الاجتماعية، والنظافة الصحية الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية؛ توافر اختبارات سريعة ودقيقة ومعقولة التكلفة وعقاقير مضادة للفيروسات، ومدى المساعدات الاقتصادية المقدمة للأفراد والشركات.

ارتباك وسوء إدارة أمريكية في التعامل مع الوباء:

لم تحشد الولايات المتحدة العالم في محاولة جماعية لمواجهة الفيروس و آثاره الاقتصادية. كما لم تشجع الولايات المتحدة العالم ليحذو حذوها في معالجة المشكلة من الداخل. كما أنها لم تنصح الدول على أن تعتمد على نفسها بشكل مناسب، أو تلجأ إلى الدول التي تجاوزت ذروة العدوى، مثل الصين، للحصول على المساعدة اللازمة. ويمكن أن يكون مرد ذلك إلى تعثر الإدارة الأمريكية وليس لتراجع القدرة الأمريكية. وبالعودة إلى الوراء قليلاً، نتذكر كيف أشرف الرئيس باراك أوباما على الانسحاب من أفغانستان والشرق الأوسط. وكيف استخدم الرئيس دونالد ترامب في الغالب القوة الاقتصادية لمواجهة الأعداء. ولم يبد اهتماماً كبيراً بالتحالفات ولا بالحفاظ على الدور الرائد التقليدي للولايات المتحدة التي كانت تتبعه في معالجة القضايا المفصلية، لقد أتبع الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب” نهجاً جديداً للتعامل مع العالم.

كان اعتماد هذا النهج جزءاً كبيراً من جاذبية رسالة ترامب “أمريكا أولاً”، التي وعدت بأن الولايات المتحدة ستكون أقوى وأكثر ازدهاراً إذا اهتمت بالقضايا المحلية أكثر من اهتمامها بالقضايا الخارجية.

قبل وقت طويل من غزو COVID-19 للعالم بأسره، كان هناك بالفعل انخفاض حاد في جاذبية النموذج الأمريكي. نتيجة الجمود السياسي، وسوء الإدارة التي أدت إلى الأزمة المالية العالمية لعام 2008، بل أكثر من ذلك، أصبحت أمريكا نموذج سياسي واقتصادي غير مقنع للكثيرين. إن استجابة الحكومة الفيدرالية البطيئة وغير المترابطة وغير الفعالة في كثير من الأحيان للوباء ستعزز الرأي السائد بالفعل بأن الولايات المتحدة قد فقدت جاذبيتها للعالم وأضاعت طريقها.

كورونا: زيادة التباعد بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية

من المعروف أن التعاون بين أقوى دولتين في العالم (الولايات المتحدة والصين) ضروري لمواجهة أعتى التحديات العالمية مهما كان حجمه، ولكن ما يصّعب الأمر ويعقده لمكافحة جائحة كورونا، توتر العلاقات الأمريكية الصينية بشكل ملفت قبل حدوث الجائحة وانتشارها بعدة سنوات، وبدلاً من أن يجسر هذا الوباء الفجوة ويزيل التوتر؛ وسّع تلك الفجوة وفاقم ذلك التوتر.

وجهة نظر واشنطن؛ يحمل الكثيرون الحكومة الصينية المسؤولية، وذلك نتيجة تسترها وعدم الإفصاح عن الوباء في مراحله الأولى، ناهيك عن الفشل في إغلاق مدينة ووهان على الفور، حيث بدأ تفشي المرض، والسماح لآلاف المصابين بالمغادرة ونشر الفيروس خارج الصين.

إن محاولة الصين الآن لتصوير نفسها على أنها تقدم نموذجاً ناجحاً للتعامل مع الوباء، واستخدام هذه اللحظة كفرصة لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء العالم، سيزيد من العداء الأمريكي. وفي الوقت نفسه، لن يغير شيئاً بشأن الأزمة الحالية.

من وجهة نظر بيجين؛ بأن الوجود الأمريكي في آسيا هو حالة شاذة تاريخية، يجب ان يُضع حداً وخاصة فيما يتعلق بالتجارة وحقوق الإنسان وقضية تايوان.

حظيت عملية التباعد بين الاقتصادين (الصيني والأمريكي) أهمية كبيرة قبل الوباء، مدفوعة بمخاوف في الولايات المتحدة من أنها أصبحت تعتمد بشكل كبير على خصم محتمل لاستيرادها العديد من السلع الأساسية وهي عرضة بشكل مفرط للتجسس الصيني وسرقة الملكية الفكرية. وقالت الغرفة التجارية الأمريكية، أكبر التكتلات التجارية في الولايات المتحدة، إن “الشركات الأمريكية لابد أن يكون لها الحق في الدخول إلى السوق الصينية كما هو الحال بالنسبة للشركات الصينية العاملة في الولايات المتحدة، لكن على البلدين أن تحلا هذه المشكلة”

الخسائر الاقتصادية للوباء ستخلق دول اقتصادية فاشلة:

إن ضعف الدولة في التصدي للمشكلات الاقتصادية والوبائية مشكلة عالمية كبيرة، لكن الخسائر الاقتصادية للوباء ستخلق دولاً أكثر ضعفاً أو فاشلة. ومن شبه المؤكد أن هذا الوضع سوف يتفاقم بسبب مشكلة الديون المتزايدة: فقد كان الدين العام والخاص في معظم أنحاء العالم بالفعل في مستويات غير مسبوقة، والحاجة إلى الإنفاق الحكومي لتغطية تكاليف الرعاية الصحية ودعم العاطلين عن العمل سيؤدي إلى ارتفاع الدين بشكل كبير. سيواجه العالم النامي على وجه الخصوص متطلبات هائلة لا يمكنه تلبيتها، ويبقى أن نرى ما إذا كانت البلدان المتقدمة ستكون مستعدة لتقديم المساعدة بالنظر إلى حجم الطلب الداخلي الملزمة بتلبيته. ولكن الوقائع تشير بأن الدول المتقدمة وذات الميزانيات الضخمة تخوض معركة صحية وسياسية واقتصادية واجتماعية شرسة ومرهقة لمواجهة مخاطر تفشي وباء الكورونا ولا تعرف كيف يمكنها تغطية تكلفتها التي من المرجح أن يلحق بميزانياتها عجز كبير ،وبناء على ذلك كيف سيكون  وضع الدول الفقيرة  التي تعجز عن توفير السلع الأساسية  لأفرادها في حال استفحال المرض فيها أكثر من اللازم (لا قدر الله) سينذر ذلك  بكارثة إنسانية متعددة الاتجاهات ستؤثر على تلك الدول مما يهدد أفرادها فيطبق عليها صعوبة العيش من جهة وتداعيات الوباء من جهة أخر.

كيف سيغدو العالم بعد كورونا:

هناك وجهات نظر مختلفة لما قد يؤول له العالم بعد كورونا، يقول ستيفان والت من جامعة هارفارد: “الحائجة الوبائية ستقوي من سلطة الدولة الوطنية”، أي سيكون العالم أقل انفتاحاً وحرية ورخاءً بعد تخطي أزمة كورونا.  بينما يرى كيشو مهبوباني من معهد البحوث الآسيوية- جامعة سنغافورة بأن: “كورنا ستعمل نقل مركز العولمة من أمريكا إلى الصين”. من جهته، يرى جون ناي جونيور من جامعة هارفارد: “القوة الامريكية ستعتمد على استراتيجية جديدة تنهي فكرة التفوق العسكري وستظهر فكرة جديدة القوة تأتي مع الآخرين. أما جون آلن من معهد بوركنغر فيقول: “تاريخ العالم سيكتبه المنتصرون على هذا الجائحة، بمعنى أن الدول المنتصرة ستقول كلمتها”. وذهب كوري شاكه من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى حد اعتبار أن: “الولايات المتحدة فشلت في اختبار القيادة وبالتالي لن تنظر الدول إلى الولايات المتحدة الأمريكية كقائد للعالم. بسبب نظرتها المنفعية الضيقة وعدم الكفاءة، فالأزمة بحاجة إلى منظمات دولية تقدم معلومات واضحة في الوقت المناسب حتى يمكنها ذلك من حسن التصرف واحتواء مثل هكذا أزمات. أخيراً، يشير نيكولاس نيرنز من جامعة هارفارد إلى أنه: “في كل دولة نرى قوة الروح الإنسانية؛ الأزمة أثبتت أن الروح الإنسانية لسكان العالم ستنتصر”.

ولكن مع كل ذلك، يمكننا القول إن من يكتشف اللقاح وينقذ أرواح البشر من الموت الزؤام على مساحة المعمورة برمتها، هو من سيرقى ويبقى.

مصادر تم الرجوع إليها:

  • مجلة الشؤون الخارجية: The Pandemic Will Accelerate History Rather Than Reshape It.
  • مدونات صندوق النقد الدولي: رؤية مبكرة لتأثير الجائحة على الاقتصاد.
  • BBC العربية: فيروس كورونا: الصين والولايات المتحدة تتحاربان خلف الكواليس.
  • فورين بولسي: هكذا يبدو العالم بعد كورونا.. نهاية النفوذ الأميركي وصعود الصين.

عن د.معروف الخلف

أكاديمي وباحث في الاقتصاد، مدرس في عدد من الجامعات السورية.

شاهد أيضاً

محددات البيئة الاستثمارية في الشمال السوري من وجهة نظر اقتصادية

هدف البحث إلى دراسة واقع الاستثمار، وتشخيص وتقييم العوامل الاقتصادية والسياسية والقانونية والتشريعية المؤثرة في …

384 تعليق

  1. The other day, while I was at work, my cousin stole my iPad
    and tested to see if it can survive a 40 foot drop, just so she can be a
    youtube sensation. My apple ipad is now destroyed and she has 83 views.
    I know this is entirely off topic but I had to
    share it with someone!

  2. Great beat ! I would like to apprentice while you amend your site, how can i subscribe for a blog website?
    The account helped me a acceptable deal. I had been a little bit acquainted of this your broadcast offered bright
    clear idea

  3. Hurrah! Finally I got a web site from where I be capable of really
    obtain valuable data concerning my study and knowledge.

  4. Maurice Sendak German Shepherd Enlightenment Now Steven Pinker Amazon

    Here is my web blog; pdf book

  5. Wow, this paragraph is good, my sister is analyzing these things, therefore I
    am going to convey her.

  6. My brother recommended I might like this web site. He was totally right.

    This post actually made my day. You can not imagine just how much time I had spent for this information! Thanks!