عقود النفط الأمريكية الآجلة: مغزى القيمة السالبة

 

شهدت أسواق النفط خلال الفترة القريبة تطورات غير مسبوقة، حيث انخفضت الأسعار لمستويات قياسية، كما وصلت عقود النفط الآجلة الأمريكية لما دون الصفر، في حدث تاريخي لم يشهده السوق الأمريكي لعقود النفط الآجلة منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي.

الإنتاج والاستهلاك العالمي للنفط

بلغ حجم الإنتاج العالمي للنفط وفقاً لتقرير بريتش بتروليوم بحدود 94 مليون برميل يومياً، حيث تتصدر الولايات المتحدة الامريكية قائمة الدول المنتجة للنفط بنسبة 16.2% من الإنتاج العالمي، تليها السعودية بنسبة 13%، ثم روسيا بـنسبة 12.1%.

أما من حيث الاستهلاك فالولايات المتحدة الامريكية تستهلك ما نسبته 20.5% من حجم الاستهلاك العالمي للنفط، تليها الصين بنسبة 13.5%، ثم الهند 5.2%.

الاحتياطي العالمي من النفط

يقدر الاحتياطي العالمي من النفط بحوالي 1.6 تريليون برميل، كما يقدر حجم الاستهلاك العالمي من النفط بحدود 35 مليار برميل في السنة، أي أن هذا الاحتياطي يقدر أن يستهلك خلال ما يقارب 47 سنة من الآن.

وتتصدر فنزويلا دول العالم من حيث حجم الاحتياطي بنسبة تقارب 18% من الاحتياطي العالمي، تليها السعودية 12%، ثم كندا وإيران بحدود 10% لكل دولة.

أبرز خامات النفط العالمي

يتم تصنيف خامات النفط وفقاً لعدة معايير كالكثافة واللزوجة ونسبة الكبريت، ولعل أشهر الخامات العالمية للنفط خام برنت والذي يستخدم لتسعير ثلثي انتاج العالم من النفط، ويتكون من مزيج نفطي يستخرج من عدة آبار للنفط في بحر الشمال الواقع شرق المملكة المتحدة وبين كل من الدنمارك والنرويج، ويتم استخدامه كمعيار لتسعير خامات النفط على نطاق واسع نظراً للخصائص التي يتصف بها. وهناك أيضاً خام غرب تكساس الذي يستخدم كمعيار لتسعير النفط في أمريكا الشمالية.

بداية التدهور، كورونا، والقرار التاريخي لأوبك بلس (+)

أدى تفشي وباء كورونا إلى اتخاذ العديد من الدول إجراءات احترازية تسببت في توقف عجلة الإنتاج والخدمات في العديد من الدول لاسيما الدول الصناعية الكبرى، مما أدى الى حدوث انخفاض كبير في الطلب على الطاقة والنفط، الأمر الذي دفع أسعار النفط إلى الانخفاض، حيث انخفض سعر خام برنت من 65$ للبرميل في بداية العام الى حدود 26$ للبرميل في الفترة الحالية، أما خام غرب تكساس الأمريكي فقد بلغ سعر البرميل مطلع العام الجاري ما يقارب 61$ في حين بلغ سعر البرميل في الفتة الحالية ما يقارب 20$.

ولعل الولايات المتحدة الأمريكية أكبر المتضررين من هذا الانخفاض لأنها المنتج الأكبر للنفط في العالم مما يترتب عليه انخفاض كبير في حجم الإيرادات التي كان من الممكن تحقيقها من هذا الإنتاج هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ارتفاع تكاليف استخراج النفط ساهم في تعقيد الأمر بالنسبة للولايات المتحدة.

وبالرغم من خروج اجتماع أوبك بلس الأخير بقرار وصف بالتاريخي وتخفيض إنتاج النفط بمستوى قياسي يعادل 10% من الإنتاج العالمي، إلا أن هذا القرار لم يُحدث تأثيره حتى الآن على أسعار تداول عقود النفط الآجلة الامريكية التي انخفضت إلى مستويات تاريخية ما دون الصفر، وإنما ستبدأ تلك الآثار على المدى القريب لأن تنفيذ القرار سيكون في شهر مايو المقبل.

كيف أصبحت العقود الآجلة سالبة

قبل الحديث عن سبب انخفاض أسعار عقود النفط الى ما دون الصفر، لا بد من توضيح معنى العقد الآجل. فالعقد الآجل هو اتفاق بين شخصين (مشتري وبائع) يلتزم بموجبه الشخص الأول بشراء السلعة ويلتزم الثاني بتسليم السلعة بسعر متفق عليه وبتاريخ مستقبلي محدد، بحيث تجري عملية التبادل في ذلك التاريخ المستقبلي، أي لا توجد عملية دفع لأي مبلغ عند عقد الاتفاق.

والغاية من العقود الآجلة هو تلافي مخاطر تقلبات الأسعار في المستقبل، فالمشتري هنا يتوقع ارتفاع سعر السلعة في المستقبل لذلك يلجأ لإبرام العقد لضمان الحصول عليها بالسعر المناسب، بينما البائع يخشى انخفاض سعر سلعته في المستقبل فيمكنه من خلال العقد الآجل ضمان سعر مناسب للسلعة.

وهذه العقود يمكن بيعها لأشخاص آخرين أي أنه يتم تداولها في السوق المالي كغيرها من الأدوات المالية، ولعقود النفط الآجلة تاريخ صلاحية معين يتوقف بعده تداول هذه العقود أي لن يتمكن مشتري العقد من بيعه بعد هذا التاريخ، ويتوجب عليه تنفيذ العقد في تاريخ التسليم.

وما حدث في عقود النفط الآجلة الأمريكية أن عقود تسليم شهر أيار يتوقف تداولها نهاية يوم 21نيسان، أي لا يمكن بيع العقد بعد هذا التاريخ وسيكون مشتري العقد مضطراً لاستلام الكمية في شهر أيار وفقاً لسعر العقد، وهذا ما سيجعله يتحمل خسائر تتمثل بالفرق بين سعر السوق وسعر العقد، أيضاً هناك ارتفاع كبير في تكاليف التخزين نظراً للانخفاض الكبير في الطلب على النفط وعدم توفر سعات للتخزين؛ مما يحمله خسائر إضافية كبيرة. فعلى سبيل المثال، إذا كان سعر برميل النفط بموجب العقد الآجل 22 $، هنا إذا انتظر مشتري العقد حتى تاريخ التسليم وطرأ انخفاض إضافي على سعر برميل النفط حيث أصبح 20$ مثلاً، فستكون خسارة المشتري نتيجة الاحتفاظ بالعقد 2$ وهي مقدار الفرق بين سعر العقد وسعر السوق، إضافة إلى تكاليف التخزين الكبيرة التي سيتحملها عند تنفيذ العقد وهذا ما يدفعه إلى محاولة التخلص من العقد قبل تاريخ انتهاء الصلاحية للتداول.

تأسيساً على ماسبق، فإن الرقم  السالب لقيمة العقود الآجلة للنفط، هو ليس لسعر البرميل، وإنما قيمة المبلغ  الذي يكون حامل  العقد مستعداً لدفعه للتخلص من العقد مما يجنبه خسائر أكبر أصبح من المؤكد تحملها.

عن د.حمد الخلف

حاصل على الدكتوراه في المحاسبة من كلية الاقتصاد بجامعة حلب عام ٢٠١١، محاضر في عدد من الجامعات السورية العامة والخاصة. مدير مالي ومسؤول حسابات في عدد من الوحدات. مدرب في مجال البرامج المحاسبية.

شاهد أيضاً

محددات البيئة الاستثمارية في الشمال السوري من وجهة نظر اقتصادية

هدف البحث إلى دراسة واقع الاستثمار، وتشخيص وتقييم العوامل الاقتصادية والسياسية والقانونية والتشريعية المؤثرة في …