التهجير القسري ومأزق بناء المجتمع

 

 

عند اندلاع الثورة السورية لم يتردّد نظام الأسد في استخدام أي تكتيك لقمع الثورة وكانت سياسة “التطويق  والتجويع والأسلحة الكيميائية  والبراميل المتفجرة من بين العديد من الإجراءات اللاإنسانية التي استخدمها النظام لإعادة قبضته الحديدية على الأراضي السورية.

لكن التكتيك الأشد خطورة الذي بدأ نظام الأسد وحلفاؤه في تطبيقه هو اللجوء إلى عملية التهجير القسري وشرعنة هذا التهجير الذي سيكون له أثر طويل المدى على الدولة والمجتمع السوري، وذلك من خلال مجموعة الإجراءات أهمها: مصادرة حقوق السكان السابقين في ممتلكاتهم، والتي سيتم نقلها إلى المسلحين الموالين للنظام المدعومين من إيران وعائلاتهم.

يعتبر القانون رقم/ 10/ عام 2018 خطوة خطيرة من قبل نظام الأسد من أجل “تقنين” النزوح غير المشروع “بحكم الواقع”. ومن المتوقع أن يسهل هذا التشريع تقنين التغييرات الديموغرافية، حيث يجيز تشكيل وحدات إدارية جديدة، من خلال السماح بإعادة إنشاء المؤسسات الإدارية في المناطق التي أُجبر ساكنيها على ترك منازلهم بسبب الاشتباكات المسلحة أو الهجرة القسرية، لأنه جعل من الصعب على المقيمين السابقين الاحتفاظ بحقوقهم على ممتلكاتهم، وتمكن أولئك الذين استولوا على هذه الممتلكات من تسجيل هذه الممتلكات على قيودهم. على هذا النحو، فإن هذا الإجراء غير القانوني هو الآن في طريقه إلى أن يصبح قانونياً.

 

هذه الممارسات تأتي ضمن مخطط استراتيجي بدأ النظام تطبيقه منذ ثمانينات القرن الماضي من خلال السكن العشوائي في المدن، وخاصة العاصمة، وخلق فئات اجتماعية واقتصادية جديدة تدين له بالولاء وتدافع عنه مستقبلاً، وحملات التشيّع  التي تقوم بها إيران. بالإضافة إلى عمليات تجنيس الشيعة القادمين من العراق و إيران وأفغانستان الذين شاركوا النظام في عملية القتل والتهجير. ومن المستغرب أنّ ما يقوم به النظام على مرأى ومسمع العالم و برضى القوى الفاعلة الدولية.

لقد تعرض الاقتصاد السوري والبيئة الاجتماعية لتغيرات جذرية  فككّت المجتمع، فلقد سقطت الدولة والحزب الحاكم أمام التطورات التي عصفت بالمنطقة. حزبٌ حكَمَ، باسم التقدم، باسم الخروج بالمجتمع من أحواله المتخلّفة إلى أحوال ناهضة، يصبح الآن مسؤول عن الانهيار الآخذ في التحقّق، انهيار سوريا وتشـــويه صورتها الحضارية بوحل “الطائفية والعشائرية والمذهبية ووحل التدخل الخارجي”.

لقد أمعن النظام في تفكيك المجتمع السوري، فهل كان ذلك نتيجة رغبة خارجية بتغيير الخارطة الديمغرافية والعرقية والطائفية؟

تحتاج سوريا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن تبتكر أبجدية سياسية، استكمالاً لما ابتكرته سابقاً في ميادين كثيرة. تقوم هذه الأبجدية على نبذ المماهاة بين الوطن والحزب وبين القائد والشعب.

لقد تم تدمير رأس المال البشري والبنية الاقتصادي في سورية عدة مرات خلال القرن الماضي بسبب التهجير والحروب ولم يتم إيجاد أليات تعيد ارتباط هؤلاء بأرضهم والاستفادة من إمكانياتهم و قدراتهم في بلدان اللجوء .

ويتكرر المشهد اليوم حيث نشهد أكبر حالة نزوح ولجوء في التاريخ لأفراد من سوريا إلى معظم بلدان  العالم، الغالبية العظمى منهم من جيل الشباب، ومن الطبقة المثقفة والمهنية، ومجتمع رجال الأعمال الرئيسيين في المجتمع السوري. وبالتالي سيكون من المستحيل على الدولة والمجتمع السوري على المدى الطويل إعادة الوقوف على قدميهما دون إعادة هؤلاء الاشخاص إلى سورية أو توحيد جهودهم، حيث قدم السوريون وأبناؤهم في بلدان اللجوء نماذج رائعة في  الإبداع  والتفوق في كافة الميادين العلمية والإنتاجية. كما أن اللاجئين السوريين يعيشون الآن أقصى أنواع الحرية في ظل غياب أدوات القمع الذي تمارسه الدولة. هذا المناخ يفجر الإبداعات والطاقات، إذا ما أحسن استخدامها وتوجيهها بالشكل الذي يعود على الوطن بالفائدة  كما أنه سوف يتم استيعاب الآثار السلبية للجوء.

إن مواجهة الآثار الناتجة عن النزوح والتهجير يعتبر من الأهداف الرئيسية للقوى الوطنية ولسورية الجديدة، وتهيئة البيئة المناسبة والآمنة للعمل والتواصل الجماعي والمشاركة الاقتصادية ووضع آليات للتواصل مع مجتمع اللجوء للتنسيق، والعمل بشكل تشاركي لتجاوز العقبات من خلال تشكيل لوبيات في بلدان اللجوء (اللوبي السوري في الولايات المتحدة) .وتبني إثارة قضية التغيير الديموغرافي في سوريا في المحافل الدولية، وإقامة دعوى قضائية ضد النظام وحلفائه الذين ساهموا في هذا العمل لأن التغيير الديموغرافي قسرياً يُصنَّف في القانون الدولي على أنه جريمة حرب.

والعمل على وقف عمليات التجنيس التي منحها النظام للمرتزقة التي من شأنها إحداث تغيير ديموغرافي في سوريا، ووقف مختلف أنواع السطو على العقارات والأملاك السورية الخاصة والعامة.

عن د.محمد رشيد

أستاذ مساعد في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية في عدد من الجامعات السورية والتركية.

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …