رامي مخلوف والطائفة: الرصيد الأخير للأسد

ربما يكون التوصيف المختصر لشخصية حافظ الأسد هي مقولة بأنه: “يعرف من أين تؤكل الكتف”، لتميّزه بالحنكة والبراغماتيه والقدرة على توجيه الأمور نحو تحقيق مآربه، مستخدماً في ذلك أقصى درجات الميكافيلية ومبدأ الغاية تبرر الوسيلة، والشواهد على ذلك كثيرة -خلال حياته السياسية الممتدة من ستينات القرن الماضي مروراً بالانقضاض على السلطة عام 1970 وطيلة سنوات حكمه التي استمرت لعقود ثلاث- لعل أشهرها قدرته على إزاحة رفاق طريقه، أعضاء اللجنة الخماسية-التي تعتبر النواة التي شكلت النظام السوري الحالي- ليُحكم قبضته بعد ذلك على الجيش وعلى جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الأسد الأب وتنمية الأرصدة

أدرك الأسد الأب مبكراً أهمية بناء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية -ضمن الطائفة وخارجها- في تمهيد الطريق أمامه نحو بلوغ الهدف المنشود، ويعدّ ارتباطه بزوجته أنيسة المنتمية لنفس الطائفة، ولكن لعائلة أكثر رفعة اجتماعياً واقتصادياً، عائلة مخلوف، مثالاً واضحاً على ذلك، إضافة إلى جهوده في كسب ودّ الجماعات الأربعة المشكلة للطائفة العلوية وهي: الكلبية، الخياطين، الحدادين، والمتاورة.

أما من خارج الطائفة، فيروي دانييل لوغاك في كتابه (الجنرال الأسد): “يبدو من المضحك القول إن حافظ الأسد أحاط نفسه بأعضاء من جماعته، والتأكيد على أن مفاتيح السلطة معظمها يمسك بها أعضاء من عشيرة النميطلة (المنتمية لجماعة المتاورة)، في حين أن وزير الدفاع صديق قديم للرئيس  والمؤرخ لسيرته وهو مسلم سني،  كذلك رئيس الأركان حكمت الشهابي، ورئيس الوزراء محمود الزعبي الذي خلف سنياً آخر هو عبد الرؤوف الكسم”.  والهدف من ذلك كان الظهور بمظهر الرئيس العابر للطوائف.

يلخص باتريك سيل في كتابه (الأسد: الصراع على الشرق الأوسط) الاستراتيجية التي اتبعها الأسد الأب  خلال سنوات حكمه، بالقول: “كان حكم البعث السوري كما طوره الأسد كائناً هجيناً، فمن صلاح جديّد ورّث اشتراكية الدولة على الطراز السوفيتي، والتزاماً بتحسين أحوال الطبقات المظلومة. غير أنه في حرصه على التخلص من عدم الشعبية التي اكتسبها المتصلبون -تيار صلاح جديّد- تخلى عن حرب الطبقات وبدأ يوسع قاعدة تأييده، ويغازل الطبقات الاجتماعية الساخطة بإحداث تحرر وانفتاح اقتصاديين وسياسيين.  كان طموحه قبل كل شيء، أن يقيم حكمه على أسس ثابتة”.

يشير ما تقدم بوضوح إلى الذهنية التي كان يتمتع بها الأسد الأب مهندس التعدديات السياسية والاقتصادية، الشكلية في معظمها، والهادفة في جوهرها لتقوية أركان النظام ورجالاته،  نظراً لما عرف عنه من  بطش واستبداد، وإطلاق العنان للأجهزة الأمنية التي حرص على زيادة عددها إلى الحد الذي كاد لا يخلو حي أو شارع في سوريا من أحد مقارها أو مخبريها.

كما كان للعطاءات الاقتصادية والنفوذ وخصوصاً ضمن الطائفة دور كبير في إحكام سيطرته على طول البلاد وعرضها، وعلى رأس من حظي بهذه الامتيازات أفراد عائلته من أشقائه وأبنائهم كشقيقه رفعت،  وعائلة زوجته مخلوف وأهم شخصياتها عدنان ومحمد مخلوف وابنه رامي الذي بنى من وراء ذلك امبراطوريته الاقتصادية.

هل كان الولد سر أبيه؟

مات حافظ الأسد في العام 2000 مخلفاً وراءه اقتصاداً منهكاً، بمعدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بلغ في ذلك العام (0.7%).  إلا أن الحال كان مزدهراً بالنسبة لرموز النظام وحاشيته المقربة، لذلك عملوا على توريث السلطة لابنه حفاظاً على مصالحهم التي اكتسبوها خلال عهد والده. ورغم ذلك سرت بين شرائح المجتمع السوري موجة من التفاؤل أملاً في أن يتمكن الرئيس الشاب من انتشال البلاد مما وصلت إليه.

بدأ بشار الأسد حكمه بما سمي بالتطوير والتحديث، متعهداً بالإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد، وهي اعترافات ضمنية بأن البلاد بعد ثلاثة عقود من حكم والده قد وصلت إلى حافة الانهيار الاقتصادي، إلا أن هذه الوعود سرعان ما بدأت تتبخر وتذهب أدراج الرياح نتيجة تمييع عملية الإصلاح الاقتصادي، فالاقتصاد السوري أقرب ما يكون إلى نموذج اقتصاد الأفراد، وليس إلى نموذج اقتصاد المؤسسات، حيث النفوذ، والعلاقات، والقيم الشخصية هي المتحكم الرئيسي ﻓﻲ القرارات الاقتصادية، وﻓﻲ السيطرة على الموارد الاقتصادية، وبالتالي فإن المصالح الخاصة تسوّد على المصالح المؤسساتية والمصالح الاجتماعية العامة، والقوى المتحكمة ﻓﻲ الاقتصاد السوري لم تكن ترغب بأي برنامج إصلاح اقتصادي علمي يعيد هيكلة الاقتصاد بشكل سليم، لأنه كان  سينسف مصالحها.

لم تكن المراسيم الاقتصادية التي أصدرها بشار الأسد سوى  مجرد شرعنة لعمليات النهب الاقتصادي المنظم، التي تزعمها بدون منازع ابن خاله رامي مخلوف، والذي سيطر على أكثر من نصف الاقتصاد السوري، على الرغم من حقيقة أنه يخضع لعقوبات دولية منذ عام 2008. إضافة لأسماء كثيرة كمحمد حمشو وأياد غزال.

كما لم تكن الفاعلية الاقتصادية من أولويات النخب السياسية الحاكمة، ذلك أن العقلانية المحددة لطرائق إدارة الموارد الاقتصادية تخضع في المقام الأول لرهان تقوية عمر النظام وإدامته، ولا تخضع لمصلحة الإنتاج وخلق الثروة. لذا كان من الطبيعي ألا يُرى في ممارسات التبذير، والنهب، وسوء الإدارة والفساد، ظواهر مرضية، بل هي آليات تضمن استمرار دعم منظومة الموالين المنوط بهم ضمان سير سلمي للحياة السياسية.

كان الشعب السوري هو الضحية الأولى لتحول الفساد إلى نهب، فسياسات التطوير والتحديث والإصلاح الاقتصادي المزعومة، أدت بعد عقد من حكم بشار الأسد إلى إختفاء الطبقة الوسطى بشكل تدريجي، وبحلول عام 2010 ، قدرت الأمم المتحدة أن 3.7 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

الأسد الابن واستهلاك الأرصدة:

عندما انتفض الشعب السوري في مدينة درعا عام  2011، فضّل النظام الحل الأمني في معالجة القضية، رغم سلمية الاحتجاجات ومحدودية مطالبها، مما دفع الشعب المحتقن إلى زيادة نبرة صوته مطالباً بإسقاط النظام، وبدأ المحتجون بإحراق صور الأسد، لكنهم يومها أشعلوا النيران في هدف غير متوقع: المكتب المحلي لشركة سيريتل في مدينة درعا، وهتفوا:  “رامي مخلوف يسرقنا”، ليطفوا على السطح اسم آخر من دائرة الأسد الضيقة، ولكن هذه المرة الدائرة الاقتصادية.

ومع تزايد وتيرة الاحتجاجات وانتشارها على كامل الخريطة السورية، أصر الأسد ونظامه على المزيد من القمع والقتل وإقحام عناصر الشرطة والجيش في مواجهة مباشرة مع الشعب، الأمر الذي أدى إلى خسارته الكثير من رصيده  الاجتماعي والسياسي والعسكري، نظراً للإنشقاقات التي حصلت في جهازي الشرطة والجيش وباقي أركان النظام، والمزيد من النغمة الشعبية، إلا أنه ورغم ذلك بقي الأسد يحظى بتأييد نسبة لا بأس بها من الشعب السوري وخصوصاً بين أفراد طائفته، الذين فضلوا الوقوف في صفه رغم فداحة الخسائر التي تكبدوها على المستوى البشري والاقتصادي والاجتماعي.

اليوم وبعد مرور تسع سنوات، يطلّ رامي مخلوف أحد أكبر المستفيدين من النظام وأكبر داعميه، كاشفاً عن أن  التصدع والانشقاق في بنية النظام قد وصل ذروته-دائرة الأسد الضيقة وطائفته- فظهور مخلوف الابن وإن كان بنوع من الاستجداء والنصيحة، إلا أنه يحمل الكثير من الرسائل المبطنة، وربما التهديدات، وإن أخذت شكل الاعترافات بدعم الأجهزة الأمنية والنظام اقتصادياً وتقنياً، وخصوصاً في بثه المباشر الثاني في الثالث من الشهر الحالي.  ربما يريد مخلوف الابن أن يذكر الأسد الابن بأنهم كعائلة أرفع منزلة اجتماعياً واقتصادياً وأن لهم الفضل بدعمهم، منذ الأجداد مروراً بالأباء، وأن لديهم رصيد لا يستهان به على مستوى الطائفة.

في سياق متصل، يذكر  نيكولاوس فان دام  في كتابه: (الصراع على السلطة في سوريا) أنه: “فى نهاية شباط عام 1984، جابهت وحدات مدججة بالسلاح  من سرايا الدفاع التابعة لرفعت الأسد، القوات الخاصة التابعة لعلي حيدر والحرس الجمهوري تحت قيادة عدنان مخلوف، الذي كان أهم أنصار حافظ الأسد العسكريين، وتخرج ابنه مع بشار من الكلية العسكرية بحمص في عام 1994، وتم منحه المركز الثاني بعده”.

كخاتمة، يقول دانييل لوغاك: “في الواقع، علاقة الأسد (الأب) بطائفته الأصلية هي علاقة مصلحة. لأنه يكون من المستحيل على الأسد الاستمرار في قيادة سورية من دون دعم منطقته، حيث ولد ووجد بالطبع أفضل مسانديه من بين أولئك الذين يعرفهم جيداً”.

إن ما جمعه الأسد الأب من رصيد سياسي واقتصادي واجتماعي، خصوصاً على مستوى الطائفة، ربما يكون أحد الأسباب التي ساهمت في إطالة حياة حكم الابن، الذي خسر جزءاً منه خلال عشرية حكمه الأولى، وما تخللها من تخبط سياسي واقتصادي، انعكس بشكل واضح على البلاد داخلياً وخارجياً، مما أدى في النهاية إلى اندلاع الثورة، ليؤدي التعاطي الأمني والعسكري معها إلى استهلاك ما تبقى لديه من رصيد، ورغم ما حوله من داعمين من كافة المكونات السورية، إلا أن الكتلة الفاعلة سياسياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً، هي كتلة الطائفة.

فهل سيتمكن الأسد الابن من إقصاء مخلوف الابن، كما فعل والده قبل أكثر من نصف قرن بابني طائفته في اللجنة الخماسية، محمد عمران وصلاح جدّيد، رغم أنه كان الأقل أهمية بينهم، وكما فعل أيضاً بشقيقه رفعت في تسعينات القرن الماضي، أم أن الأمر لا يعدو كونه سحابة صيف، كما عبر عنه أحد المسؤولين في إدارة أوباما سابقاً بعد فترة من إنطلاق الثورة السورية عام 2011، بالقول: “في النهاية، إنهم عائلة”. ولربما ينذر الخلاف مع رامي مخلوف إلى أن الأسد الابن قد وصل إلى حد استهلاك الرصيد الأخير المتمثل في الطائفة. ليتلقى رسالة بعد حين كالتي يبثها المجيب الآلي لشركة سيريتل: عذراً عزيزي الرئيس، لا يمكنك المتابعة فرصيدك قد انتهى.

 

مصادر تم الرجوع إليها:

1-لوغاك، دانييل. (1991)، “سورية في عهدة الجنرال الأسد”، تعريب حصيف عبد الغني، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2006.

2- فان دام، نيقولاوس. (1995)، الصراع على السلطة في سوريا:  الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة 1961-1995“، حقوق النشر محفوظة للمؤلف، الطبعة الإلكترونية الأولى المعتمدة باللغة العربية، 2006.

3-سيل، باتريك. (2007). “الأسد والصراع على الشرق الأوسط”، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت.

4- موقع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، https://www.nytimes.com/

عن د.عبد الكريم الحمود

باحث وأكاديمي في مجال الاقتصاد وإدارة الأعمال. يعمل كأستاذ مساعد في عدد من الجامعات السورية والتركية ومدرب دولي في مجال إدارة الأعمال والتنمية البشرية.

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …