إزاحةُ “بشار الأسد”… تَرتيباتٌ دوليةٌ بلمساتٍ روسيَّةٍ

يُثيرُ الموضوعُ الذي يُطرحُ بكثرةٍ في الآونةِ الأخيرةِ حولَ مصيرِ رأسِ النظامِ السوري “بشار الأسد”، وإمكانيةِ التخلّي الروسي عَنهُ، في ظِلِ الحراكِ الإقليمي والدولي، والتَّطوراتِ الداخليةِ على السَّاحةِ السوريَّةِ، الكثيرَ منَ التساؤُلاتِ التي يتعلَّقُ بَعضُها بِطبيعَةِ هذهِ التَرتيباتِ والهَدَفِ مِنها.

طبعاً تَأخُذنا هذهِ الترتيباتُ إلى مجموعَةٍ مِن النقاطِ التي يُمكنُ الاستدلالُ بِها على بدءِ مَرحلةٍ مُهمةٍ من تاريخِ سُوريَّةَ –الثَّورةَ. وهي مرحلةُ ما قبلَ إزاحةِ “بشَّارِ الأسدِ”، والتي تَسعى من خلالها الفواعلُ الإقليميةُ والدوليةُ إلى ترتيبِ الملفاتِ السوريةِ قَبلَ الدخولِ إلى المرحلةِ الأّهمِ وَهي مَرحَلةُ إِزاحةِ “بشار الأسد” عن السُّلطةِ، قبلَ البَدءِ بِمرحلةِ ما بَعدَ “بشار الأسد”.

هنا يمكنُ الحَديثُ عَن مَجموعةٍ من النقاطِ التي تُدلِلُ عَلى بِدءِ مَرحلةِ ما قَبلَ إزاحةِ “بشار الأسد”، بحيثُ يُمكنُ حَصرُها بالتَّالي:

1-التقاريرُ الروسيَّةُ العديدةُ، والتي زادَ عَددُها على 120 تقريراً، صَدَرتْ عَن مراكزِ أبحاثٍ ودراساتٍ ووسائلِ إعلامٍ رسميةٍ وغير روسيةٍ مُقربةٍ من الرئيس ” فلاديمير بوتين” والكرملين الروسي، وبِلغاتٍ عدّةٍ، تَناولَتْ فَسادَ النظامِ السوري وَضَعفَهُ وعدمَ قدرةِ “بشار الأسد” إدارةَ شؤونِ البلادِ.

2-الخلافُ المتنامي بينَ عائلتي “الأسد” و”مخلوف”، والذي على ما يبدو أنَّهُ أصبحَ مفتوحاً على احتمالاتٍ كثيرةٍ، وخاصةً بعد الفيديو الثالث الذي لمَّحَ من خلاله “رامي مخلوف” إلى انهيار النظام في حالِ تَمَّ التمادي عليه.

3-التصريحاتُ الغَربيةُ التي تَزايدت في الفترةِ الأَخيرَةِ، وخاصةً مِن قِبَلِ المبعوثِ الأمريكي إلى سورية “جيمس جيفري” الذي تَحدّث أَكثرَ من مَرّةٍ وَبلُغَةٍ واضِحةٍ عن وُجودِ خُطَطٍ أمريكيةٍ تَعترفُ بأحقيةِ استمرارِ الوجودِ الروسي في سورية، والتي ترافقت مع عِدّةِ تقاريرَ تحدَّثتْ عن وجودِ تَوافقٍ دوليٍ وإقليميٍ على إزاحةِ رَأسِ النظامِ السوري “بشار الأسد” عبر تَسويةٍ سياسيةٍ شاملةٍ للملفِ السوري.

4-إعلانُ الاتحادِ الأوروبي عن نيَّتهِ لِعقدِ مؤتَمرٍ لمناقَشةِ مُستقبلِ الحلِ السياسي في سورية في الثالثَ عشرَ من حزيران القادم بدعمٍ من الأممِ المتحدةِ، والتي سبقتها مساعٍ أمريكيةٍ وفرنسيةٍ لإنجاح الحوارِ الكردي-الكردي في شمالِ شرقِ سوريَّة تَمهيداً لتشكيلِ وَفدٍ كُردي موحّدٍ لأي مُباحثاتٍ سياسيةٍ حولَ مستقبلِ سورية.

من خِلالِ هَذهِ النقاطِ الأربعِ يُمكنُ رَسمُ مَلامحِ الإجابةِ عَن التساؤلِ الذي طَرَحَهُ الكَاتِبُ في بدايةِ المقالِ، ولتوضيحِ معالمِ الإجابةِ أَكثرَ يُمكنُ التَّوسعُ في بَعضِ النقاطِ وخاصةً النقاطُ المُتعلِقَةُ بالتقاريرِ الروسيةِ حولَ فَسادِ “الأَسدِ” وَضعفهِ، والخلافُ بينَ “الأسدِ” و”مخلوف” كونُ النُقطتان الأخيرتان واضحتين ولا تحتاجانِ إلى تحليلٍ وتفسير.

فبالنسبة للنقطةِ الأولى يمكنُ القولُ أنَّ حَديثَ الإعلامِ الروسي المُتكرِرِ عَن فسادِ النظام السوري وضَعفِهِ، مُقابِلَ هُجومِ العَديدِ مِن أزلامِ النظامِ السوري على النظامِ الروسي ورئيسهِ، يُقدِّمُ إشاراتٍ واضحةٍ على وقوعِ تَغييرٍ في طبيعةِ العلاقةِ التي تَجمعُ بَينَ النظامين، وَكذلِكَ وُقوعُ تغييرٍ واضحٍ في نَهجِ النظامِ الروسي تُجاه النظامِ السوري، لكن التساؤُل الأَهمُ هُنا والذي يطرحُ نفسَهُ بقوةٍ هَل يُمكنُ اعتبارُ هَذا التغييرُ في النَهجِ الروسي انقلاباً على النظامِ السوري؟.

الإجابةُ على هذا التساؤلِ تَحملُ وَجهينِ، الوجهُ الأولُ يُوحي بأنَّ هّذا التغييرُ في النهجِ لا يُمكنُ وَضعه في خانةِ الانقلابِ على النظامِ السوري كما يتناولُهُ العديدُ من الباحثينَ والمُهتمينَ والكتابِ، فأيُ انقلابٍ يجبُ التمهيدُ له من نواحٍ عِدّةٍ، وخاصةً من ناحيةِ إيجادِ البَديلِ المَقبولِ من قبلِ الروسِ، والقادرِعلى حمايةِ مصالحهم ومكتسباتهم التي وفّرها لهم “بشار الأسد” خلالَ السنواتِ الماضيةِ. في حينِ أنَّ الوجهَ الثاني يُوحي بأنّ هذا التغييرَ في النهجِ سيمهّدُ خلالَ الفترةِ القادمةِ للانقلابِ على النظامِ السوري ليكونَ ثمناً للتوافقاتِ المُستقبليَّةِ، خاصةً إنْ تَمخّضَ عن هذهِ التوافقاتِ إيجادُ حَلٍ سياسيٍ مناسبٍ للنظامِ الروسي يَضمَنُ لَه مصالِحهُ بَعدما تَولَّدتْ لديهِ قناعةٌ بِأنَّ النظام السوري أصبحَ يُشكّلِ عِبئاً ثَقيلاً عَليه، وأنَّه لَن يَستطيعَ التَغطيةَ عَليهِ إلى ما لا نهاية، خاصةً في ظِلِ الأزماتِ العَديدَةِ التي يُعانيها الاقتصادُ الروسي بِسببِ انتِشارِ فيروسِ “كورونا” المُستَجدِ من جهةٍ، وانخفاضِ أسعارِ النفطِ بَعدَ الأزمةِ الأخيرةِ من جِهةٍ أُخرى، وهي نَفسُ النتيجَةِ التي خَلَصت إليها دِراسةٌ قامَ بها المجلسُ الروسي للشؤونِ الدُّوليةِ والتي نَصَحَتْ بضرورةِ اتخاذِ خطواتٍ جادةٍ للخُروجِ من الطريقِ المَسدودِ الذي وَصلتْ إليهِ روسيا في سورية، ومن هذا المُنطلقِ قَد نَشهدُ خِلالَ الفترةِ القادمةِ تَحرُّكاً رُوسياً أَكثرَ فاعليةً وَصرامةً في سورية باتجاهِ دفعِ “بشار الأسد” لوضعهِ أَمامَ الاستحقاقاتِ القَادمةِ في طريقِ الحلِ السياسي في سورية، والذي يحاولُ أنْ يَتهرَّبَ منها.

أمَّا بالنسبةِ للنقطةِ الثانيةِ فيمكنُ رَبطُها بالنُقطَةِ الأولى، أي يُمكنُ رَبطُ الخلافِ الذي ظَهرَ بينَ عائلتي “الأسدِ” و”مخلوف” خلالَ الفترةِ الماضية، والذي تَزامنَ مَع التَّقاريرِ الإعلاميةِ الروسيةِ التي تَحدَثَتْ عن فَسادِ نظامِ الأسدِ وَضَعفِهِ، ببدءِ مَرحلةِ ما قَبلَ إزاحةِ “بشار الأسد”، بِحيثُ يُمكنُ القولُ هُنا أنّ كلامَ “رامي مخلوف” وإطلالاتِهِ الأخيرةِ عبر الفيديوهات المصورةِ والرسائلِ التي وَجَّهها لرئيسِ النظامِ السوري ما كانت لِتحصُلَ دَونَ وُجودِ ضَوءٍ أَخضرٍ روسيٍ، خَاصةً وأنّ عائلةَ “مخلوف” تُعتبرُ من العائلاتِ المُقرَّبَةِ مِن النظامِ الروسي، واستثماراتها في روسيا كَبيرةٌ جداً، وبالتالي يُمكنُ إدراجُ توقيتِ هذا الخلافِ مع ظهورِ التقاريرِ الإعلاميةِ الروسيةِ ضِمنَ حملةِ الضَّغطِ الروسي على “بشار الأسد” لِتوجيهِ رسائِلَ عديدةً. رُبَّما أَهمُها على الإطلاقِ هو قُدرةُ النظام الروسي على سَحبِ البساطِ من تَحتِ قدمي “بشار الأسد” وإحداثِ شَرخٍ في صَفِ الطائِفَةِ العَلَويَّةِ مَتى ما شَاءَ، وبرأيي هذا الخلافُ بينَ عائلتي “الأسد” و”مخلوف” إلى جانب إطلاقهِ العنانَ لقراراتٍ متباينةٍ ومتعددةٍ في مقاربتها بَينَ ما هو سياسيٌ يَتصلُ بالضغطِ الروسي على نظام “الأسد” أو صراعِ المحورِ الروسي-الإيراني في سورية، والذي وَصلَ مراحله الأخيرةَ، وَبين ما هو عائلي يتعلقُ بالهيمَنَةِ على الاقتِصادِ السوري، فإنَّهُ أَطلقَ مَرحلةً جَديدةً تتعلقُ بِمستقبَلِ النِظامِ وَمَوقِفِ الطَّائِفَةِ العَلَويَّةِ مِنهُ في ظِلِّ تَدَهورِ قيمةِ اللَّيرةِ السوريَّةِ وَوصولِها إلى أَرقامٍ قِياسيةٍ وَتعالي الأصواتِ المُنتَقِدَةِ من دَاخلِ النِّظامِ ذاتِهِ.

خُلاصةُ المَشهدِ السياسي العامِ في سورية في ضوءِ ما تَقدّم تُشيرُ إلى أنّ مرحلةَ ما قبلَ إزاحةِ الأسدِ قَد بَدأتْ فِعلاً، والتي من المُتَوَقَّعِ أَن تَشهَدَ خِلالَ الفَترةِ القَادِمَةِ – طالتْ أَم قَصُرَتْ- تطوراتٍ لافتةٍ سَتحدِدُ مُستقبَلَ سورية فِي ظِلِّ تَوافقِ الفَواعِلِ الإقلِيميَّةِ والدَّوليَّةِ، والتي تتزامن مع تحركاتِ الاتحادِ الأوروبي على صَعيدِ مُتابعةِ التَّطوراتِ في سُوريَّة وَحَراكٍ دبلوماسي أَمريكي، قَبلَ بِدءِ مَرحَلَةِ إزاحَةِ “بشار الأسد” عَن السُّلطةِ، والتي سَتَكُونُ مُقدِّمَةً للمرحَلَةِ الأَهَمِ وَهيَ مَرحَلَةُ مَا بَعدَ “الأسد” التي سَتُؤَسِسً لأوّلِ مَرَّةٍ لِصَفحَةٍ جَدِيدَةٍ مِن تَاريخِ سوريةَ بَعيداً عَن عائلةِ “الأسدِ” وَحُكمِ الطَّائِفَةِ العَلَويَّةِ.

 

عن د.بشار نرش

أكاديمي وباحث سوري متخصص بالعلاقات الدولية

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …