السياسة الناعمة الروسية في الشرق الأوسط: “كونوا معنا – وابقوا كما أنتم”

لطالما أُثيرت مناقشات حول القوة الناعمة لبلد ما بسبب أزمات السياسة الخارجية أو الحاجة الملحة لتجديد المؤسسات المسؤولة عن تصميم مثل هذه القوة. ويعد الجدل حول فعالية القوة الناعمة الروسية في "الشرق الأوسط" في دوائر الصحافة والمختصين مؤخرًا مثالًا على كليهما. ويتضح أن الإنجازات النظرية للباحثين الروس والأجانب في مجال القوة الناعمة الروسية في "الشرق الأوسط" غير قابلة للتطبيق دائمًا، فالعديد من الذين تستهويهم القوة الناعمة والدبلوماسية العامة يمتلكون فهمًا نظريًا عن كيفية عمل هذه الأمور في الشؤون الخارجية، بل ويقدمون توصيات فعالة للوكالات المختصة، لكن القوة الناعمة الروسية – إذا صدق منتقدوها -ماتزال بحاجة للمزيد قبل أن يشتد عودها.

وتوصف التجربة الأمريكية بأنها "الحل السحري" الذي يُقْتَرح كثيرًا لحل مشاكل روسيا في هذا المجال، لكن الممارسات الأميركية غالبًا ما تنجح إلى حد ما في تعزيز المصالح القومية الأميركية وتلميع صورتها، وتبدو هذه الحقيقة منقوصة أيضًا: فليس كل ما يفعله الأميركيون (وخاصة في "الشرق الأوسط") فعّالاً، وليس كل شيء متاحًا أو ملائمًا لروسيا. ومع ذلك إذا كانت روسيا راغبة في إجراء مراجعة نوعية لنُهُجِها الخاصة، فعليها أن تدرس بشكل مستفيض وحاسم تجربة الولايات المتحدة في تصميم القوة الناعمة في "الشرق الأوسط".

جدلية البلد والدولة: القوة الناعمة الأمريكية في الشرق الأوسط

لا تختلف أدوات سياسة القوة الناعمة التي تستعملها الولايات المتحدة في "الشرق الأوسط" كثيرًا عن غيرها في مناطق أخرى؛ فهي تقوم على تغريب النخب، وبرامج التبادل التعليمي والثقافي، ودعم المجتمع المدني وبعض وسائل الإعلام، والترويج للغة الإنجليزية وثقافة الشعب الأميركي. ونظرًا للخصائص الإقليمية المتنوعة في "الشرق الأوسط"، يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل على تنويع كيفية التعامل مع كل منطقة وبلد بعينه.

من المفاهيم التي كان على الأمريكيين أن يأخذوها في الاعتبار على مدى سنوات عديدة من العمل في المنطقة مفهوم "جدلية البلد والدولة: ففي حين يرفض سكان المنطقة سياسة الحكومة الأميركية، فهم يقبلون بسهولة التعليم والثقافة والمنتجات التجارية الأميركية. وهناك، بالطبع، العديد من الخلفيات التي تدعم هذه الصيغة عمليًا: فعادة ما تعزز الحملات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة أو تَفاقُم التوترات العربية "الإسرائيلية" المشاعر المعادية لأميركا من جانب عامة الناس في العديد من مجتمعات "الشرق الأوسط". وفي مثل هذه الحالات، ينعكس رفض السياسة الأمريكية على الصور الثقافية المرتبطة بها، فيحطم المنزعجون من السياسة الأميركية نوافذ مطاعم ماكدونالدز، أو يحرقون العلم الأمريكي، أو يظهرون روح التحد من خلال مقاطعة منتجات المشروبات الغازية الأميركية (وإن لم يكن لفترة طويلة).

وفي الجدلية نفسها، فإن القوة الصلبة الأمريكية تحد من تأثيرات القوة الناعمة. تستثمر حكومة الولايات المتحدة والصناديق التابعة لها المليارات في الدبلوماسية العامة والتبادلات التعليمية، وتنمية المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لكن الأعمال العسكرية التي تقوم بها واشنطن كثيرًا ما تبطل جهودها في كسب تعاطف سكان المنطقة.

وتهدف الدبلوماسية العامة الأميركية في الشرق الأوسط إلى إظهار الولايات المتحدة بصورة جذابة، بوصفها مجتمعًا منفتحًا وحرًا وديمقراطيًا يتمتع بتكافؤ الفرص. وهي تسعى أيضًا إلى إقناع الفئات المستهدفة بأنها ليست العدو، بل إنها تساهم في تعزيز السلام والأمن الإقليميين. ونظرًا للخصائص الديمغرافية والاجتماعية والثقافية للمنطقة، تركز الولايات المتحدة على العمل مع الشباب بسبب حاجتها الكبيرة إلى خلق شريحة كبيرة على الأقل– إن لم يكن جيلًا بأكمله -من المتعاطفين مع الولايات المتحدة بين المفكرين في مختلف المجالات والمهن، الذين قد يصبحون قادة الرأي العام في المستقبل، وليس من الضروري أن يكون هؤلاء موالين لها بقدر ما يكونون متعاطفين، وهو ما قد يضمن قدراً أقل من المقاومة "اجتماعيًا". ولا يوجد بالطبع ارتباط مباشر بين "التعاطف "و" عدم المقاومة " ويمكن أن يكون ذلك أكثر تعقيدًا عمليًا. هذا هو هدف التقنيات المستخدمة في الدبلوماسية العامة الأمريكية؛ إلا أن نجاحها سيتوقف على المتلقي المعني.

بدت هذه الخصائص في سياسة القوة الناعمة الأميركية أكثر أهمية قبل وصول دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي، رغم أن سياسة أسلافه تضمنت بالفعل بعض العيوب من ناحية فعالية القوة الناعمة الأميركية.

وقد ناقش الخبراء في الولايات المتحدة بجدية مسألة "لماذا يكرهوننا؟" بعد مأساة 11 أيلول، 2001. وحددت أسباب الكراهية حينها "بالعمل التبشيري التطفلي" و "الإصرار على فرض المثل العليا،" لكن بعد أقل من عامين من ذلك، قررت إدارة جورج بوش الابن غزو العراق. وبعد ذلك احتاجت الولايات المتحدة لسبعة عشر عامًا، حدثت في أثنائها بعض المغامرات العسكرية غير الناجحة لها والكارثية على المنطقة، لتتأكد أخيرًا أن مثل هذه النُهُج لا تولد إلا الرفض والمقاومة.

منح انتخاب باراك أوباما عام 2008 الولايات المتحدة الفرصة لغزو الشرق الأوسط ــ وخاصة شبابه ــ بأساليب غير عسكرية. وكانت الصورة التي رسمها باراك أوباما بوصفه "على النقيض من بوش" وخطابه الشهير في القاهرة، من بين أمور أخرى، قد أعطت الأمل في تغير السياسة الأميركية في المنطقة. بيد أن كل هذه الآمال ذهبت أدراج الرياح بفعل الربيع العربي، والحملة العسكرية التي شنها حلف الناتو في ليبيا، وتذبذبات السياسة الأميركية في سوريا والعراق، فقد تولد شعورٌ لدى البعض أن أوباما كان عاجزًا عن مقاومة التقليد الأميركي المتمثل في استبدال "الأولاد الأشرار" بالقوة. ولم تساعد خدعة القيادة من الخلف في ليبيا في هذا الصدد أيضًا: فقد تورطت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا العظمى، على حد سواء في الإطاحة بمعمر القذافي، بل إن آخرين، على العكس من ذلك، أصيبوا بخيبة أمل بسبب تصورهم أن أوباما لم يبدِ عزمًا كافيًا على دعم جماعات المعارضة والمتمردين. وبشكل أو بآخر، اهتزت صورة الولايات المتحدة في المنطقة، بسبب تراجع الثقة فيها وتقوض مفهوم "مصداقيتها". واشتدت خيبة الأمل في أثناء الولاية الثانية لهذا الرئيس الديمقراطي، عندما أصبح حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في المنطقة، "إسرائيل" والملكيات العربية في الخليج "الفارسي"، أيضًا غير راضين عن سياسات أوباما، بما في ذلك موقفه من إيران.

ذهب ترامب في الاتجاه المعاكس نوعًا ما، فحملته ضد إيران جعلت "الإسرائيليين" والسعوديين أكثر تفاؤلًا. ويحظى هذا الرئيس الأميركي بشعبية كبيرة في "إسرائيل"، ووجدت منطقة الخليج أيضًا نهجًا شبه تجاري في التفاوض معه. واليوم تفضل الولايات المتحدة "خنق" الأنظمة البغيضة في الشرق الأوسط بفرض العقوبات عليها بدلًا من الإطاحة بحكامها من خلال الضرب بسيف المؤسسة العسكرية. والواقع أن هذه العملية تستغرق وقتًا أطول لكنها أقل إيلامًا من حيث التصور العام، وهذا يعني أنها تتناسق بشكل أكبر مع النفوذ الناعم.

يشبه موقف دونالد ترامب تجاه رسم سياسة القوة الناعمة إلى حد ما فلسفة القبعات الخضر في أثناء حرب فيتنام: فقد اختلف أولئك العسكر مع توجيه الرئيس ليندون جونسون "لكسب قلوب وعقول" العدو وأطلقوا شعارًا مازحًا نوعًا ما: " لا يخرج الزيت إلا بقوة العصر."

وفي الوقت نفسه، فإن صورة "أمريكا الترامبية" التي ابتدعتها المنشورات الليبرالية السائدة في الولايات المتحدة كل يوم، وسلوك وقرارات الرئيس نفسه، وتبنيه سياسة الحظر ضد المسلمين، وصورته كعدو للمسلمين وصديق لإسرائيل، ساهمت كثيرًا في تقويض عناصر التصور الإيجابي الذي ساد بين سكان المنطقة لعقود.

تؤدي هذه العوامل، بالإضافة إلى التذبذبات السياسية للولايات المتحدة في المنطقة في السنوات الأخيرة، إلى تضخيم المشاعر المعادية لأميركا. ورغم ذلك فإن العديد في المنطقة – نتيجة لعقود من العمل الجاد الأمريكي في مجال النفوذ الناعم – لم يديروا ظهورهم بالكامل للولايات المتحدة، وهي ما تزال أكثر الشركاء الذي يتوقون لطلب وده، فهم ببساطة يتوقعون المزيد من أميركا ذاتها، حتى ولو لم يفصلوا بوضوح دائمًا عما يعنيه "المزيد"، ولم تكن أميركا متأكدة أنها راغبة في تقديم هذا "المزيد".

وتعيد الولايات المتحدة اليوم تحديد مكان الشرق الأوسط ضمن أولويات سياستها الخارجية في أثناء إعادة النظر في دورها العالمي بشكل عام، إذ يجري حاليًا التخلص تدريجيًا من العديد من برامج القوة الناعمة التي نجحت لعقود من الزمان، وتحويل أدوات القوة الناعمة التقليدية في الولايات المتحدة إلى "سلاح" لألحاق الضرر، والسلطات الأميركية لا تجد حرجًا على نحو متزايد بتمويه بعض المبادرات باعتبارات" بناء مجتمع منفتح ".على سبيل المثال، طلب الكونجرس عام 2018 من إذاعة صوت أميركا التي تمولها الولايات المتحدة أن تجعل تغطيتها للسياسة الإيرانية أكثر عدوانية وانتقادًا. وفي هذا السياق، نشهد الآن بزوغ حقبة جديدة من الدبلوماسية العامة الأميركية، بما في ذلك في الشرق الأوسط. وكما هي العادة في الدبلوماسية العامة، فإن نتائج ما يقوم به الأميركيون (أو مالا يقومون به) الآن لن تتجلى إلا في السنوات العديدة القادمة.

 

الشرق الأوسط في مرحلة "ما بعد سوريا:" هل هو فرصة لروسيا؟

دفع تراجع ثقة نخب المنطقة في إدارة أوباما وفي قدرة الولايات المتحدة بالعديد من الحكومات في المنطقة إلى تغيير نظرتها إلى أميركا بوصفها الدولة التي لا يشق لها غبار، رغم أنها تظل اللاعب الخارجي الأكثر نفوذًا. وقد عززت "عودة" روسيا إلى "الشرق الأوسط" من مكانتها، إلا أنها لم تتحرك في هذا الاتجاه.

لم تحل روسيا محل الولايات المتحدة في المنطقة، رغم أن هذا قد يكون التصور بعد نجاح الحملة الروسية في سوريا. والواقع أن التواجد الحالي لموسكو في المنطقة كثيرًا ما يقدم استجابة أكثر سرعةً وإقناعًا، ويرسم صورة "مشغلٍ أكثر سلاسة." ومع ذلك، فإن الأوهام المتهورة في أعقاب الانتصار يمكن أن تعيد روسيا إلى المربع الأول. وتحاول العديد من حكومات المنطقة استغلال التنافس بين روسيا والولايات المتحدة لتحقيق مصالحها الخاصة، فهي كثيرًا ما تلعب بورقة روسيا على الطاولة مع واشنطن.

وتقدم مشاركة روسيا في الصراع السوري خلفية واضحة يجري على أساسها تقييم أجندة القوة الناعمة الأميركية في المنطقة اليوم، إذ تمعن الدوائر السياسية الغربية النظر في أزمة نموذجها الأميركي وصورة الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة من خلال الدخول في مناقشة نقدية للدور المتنامي الذي تلعبه روسيا في "الشرق الأوسط" مقارنة "بذبول" النفوذ الأميركي، وتبعث بنداء ضمني إلى النخب الأميركية للقيام بما يلزم لتحديث هذا النموذج.

وفي المقابل، تتجه سياسة روسيا الخارجية تدريجيًا نحو مرحلة "ما بعد سوريا" في الشرق الأوسط، وإلى مرحلة "ما بعد العسكرة" في سوريا نفسها. وتنتشر أسئلة مثل "موسكو انتصرت في الحرب السورية، لكن هل يمكنها كسب العالم؟" على جميع منتديات الحوار الغربية والعديد منها في روسيا. والواقع أن بإمكان روسيا الاستثمار في صورة "اللاعب القوي،" لكن تحويل نفسها إلى "قوة راعية" هو شيء آخر.

وتبرز بعض الملامح الاستراتيجية لاستغلال روسيا لصورة " اللاعب القوي،" مثل زيادة عقود توريد الأسلحة، وإقامة تعاون عسكري وتقني مع عدة بلدان في "الشرق الأوسط" وشمال أفريقيا، وتظاهرها كوسيط في مناطق الصراع الرئيسة، وما إلى ذلك. وهي تبرز صورة " القوة الراعية" من خلال القيام بحملات فردية، مثل تسليم المساعدات الإنسانية إلى الدول التي تعاني من جائحة كوفيد-19 (Covid-19)؛ لكن تنظيم جهود القوة الناعمة يحتاج إلى أسلوب أكثر منهجية.

وفي غضون ذلك، تبرز أهمية أن تظهر روسيا قدرة متساوية على شن الحروب وإحلال السلام. وبالمعنى الأوسع، فإن هذه القدرة تمثل اختبارًا لتجنب الفخ ذاته "لجدلية البلد والدولة"، إذ أن صورة روسيا المتوحشة وهي تقصف المستشفيات التي يزرعها منافسوها الجيوسياسيون تتسبب في إبطال الجهود التي تبذلها لرسم سياسة قوتها الناعمة.

"كونوا معنا –وابقوا كما أنتم": مبادئ القوة الناعمة الروسية

ينبغي أن يبدأ تفصيل أهداف القوة الناعمة في السياسة الخارجية الروسية والأدوات اللازمة لتحقيقها بشيئين على الأقل. أولًا، ينبغي تحديد سقف منخفض للتوقعات، ولا سيما على المدى القريب. وثانيًا، تحديد القيود الموضوعية.

من الواضح أن روسيا تفتقر إلى القدرة على تنظيم برامج تبادل مماثلة لتلك التي تقدمها الولايات المتحدة، لكنها قادرة ــ ولديها الخبرة المناسبة ــ على فتح سوق التعليم لديها، وخاصة في تخصصات استراتيجية محددة، أمام الشباب الواعدين في الشرق الأوسط. ويمكن أن يشمل ذلك أشكالًا مختلفة لمساعدتهم على الدارسة في روسيا، ثم يليها دعم وظيفي في الوطن، فالجامعات الغربية ليست الوحيدة دائمًا التي تصنع نخب الغد في المنطقة.

وليس من المجدي كثيرًا الاعتماد على إضفاء الطابع الثقافي الروسي على شرائح واسعة من السكان في بلد آخر؛ لأن الثقافة الروسية بطبيعتها "نخبوية" بشكل أكبر من الثقافة الشعبية الأميركية، فمنتجات الثقافة الشعبية الأمريكية موجهة سلفًا إلى شرائح متنوعة من السكان ومستساغة تقريبًا في كل أنحاء العالم. ويستعمل الأميركيون أيضًا أدوات أخرى، مثل تأثيرهم في الاقتصاد الدولي وقدرتهم على تسويق العلامات التجارية بشكل صحيح وجذاب، إما من خلال توفير إمكانية الوصول والبساطة أو، عند الاقتضاء، تنحية الآخرين جانبًا. وربما من المنطقي تبني بعض هذه الحيل؟

وتَبْرُز الحاجة إلى تغيير النهج المتبع في تنظيم المراكز العلمية والثقافية الروسية في الخارج؛ لأن "اللمسة السوفيتية" سيئة الصيت لا تستطيع منافسة ما يقدمه الأميركيون والأوروبيون، أو حتى الأتراك لسكان المنطقة. وإذا افترضنا أن الخصائص التقليدية الروسية تعكس حنين بعض المسؤولين والدبلوماسيين الروس إلى الماضي السوفيتي، فمن غير المتوقع أن تشاطرهم دولة أخرى هذا الحنين. إن القوة الناعمة ليست وسيلة للحفاظ على القصور التاريخي بل هي فرصة لتوجيه الشباب المتحمس، الذين سيغدون قادة الرأي العام في بلدانهم، إلى تبني المتطلبات الحتمية الصحيحة.

وتتجنب المناقشات الدائرة حول موارد القوة الناعمة عمومًا الحديث عن المسلمات: فالأساس الذي تقوم عليه القوة الناعمة يستند أولاً إلى مدى نجاحها في الداخل. ومن الصعب أن ندعو إلى مواجهة الفوضى والظلم في العلاقات الدولية قبل تحقيق انتصارات واضحة على علل اجتماعية مماثلة على الجبهة الداخلية. وليس من السهل حمل الأمم والمجتمعات على احتضان ثقافتك ولغتك وتعليمك، بينما تتغاضى عن انحطاطها في الوطن، سواء كان ذلك عمدًا أو إهمالًا. ولا يمكنك أن تتوقع من طرف ثالث أن يعتمد "رموز التفكير" الخاصة بك إذا كان موقفك السائد هو "مطاردة اللحظة"، عندما يكون همك أن تنفق من الميزانية لحذف حدث من القائمة. ومن بين الأسباب التي ساهمت بشكل كبير في تكرار "دبلوماسية بالالايكا الروسية" في السياسة الخارجية أنها نمطية وبالتالي مفهومة، ويُنظَر إليها بوصفها طريقة سريعة ومريحة ومن المفترض أنها فعّالة (ولو أنها ليست رخيصة دائمًا) في إنجاز المهام.

ومن المهم إدراك أن معظم النخب وعامة الناس في "الشرق الأوسط" يستمدون انطباعاتهم عن روسيا وتقييمات سياستها الخارجية من تقارير وسائل الإعلام الغربية والمواد التي تقدمها مراكز الأبحاث البريطانية والأمريكية. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي، أصبح الدعم في مجال المعلومات في السياسة الخارجية واحدًا من أكثر المجالات التي تشوبها العيوب، إلا أنه بدأت تظهر في السنوات الأخيرة مؤسسات روسية قادرة نوعًا ما على تعويض خسائر موسكو السياسية والضرر الذي لحق بسمعتها على مدى العقود الماضية، من خلال تناول السياسة الروسية بشكل مباشر، وتقديم الرواية الروسية من دون التشويه الذي تروجه الدعاية الأجنبية، وجذب المزيد من المتابعين للشأن الروسي في "الشرق الأوسط".

وفي هذا المجال، من بين مجالات أخرى، من المهم اختيار استراتيجية التواصل الصحيحة حسب كل حالة على حدة: ففي بعض الأحيان تحتاج روسيا إلى خلق وترسيخ صورتها الإيجابية (سوريا ومصر)، وفي أحيان أخرى يتعين عليها تحسين صورتها (سوريا، والملكيات العربية في الخليج "الفارسي")، وفي أحيان أخرى ما يزال يتعين عليها "إعادة تقديم الرموز" السوفييتية أو الإمبريالية (العراق، وإيران، والجزائر).

والمجال الإنساني هو وسيلة أخرى معقدة لها وقعها العاطفي في قلوب الجمهور المستهدف، لكن الخوض في هذا المجال لا يستحق العناء إذا كان جل تركيز الدبلوماسية العامة الروسية يقع على العلاقات العامة السريعة وقصيرة الأجل. ومع ذلك، ففي وضع تحرم فيه بعض القوى المنظمات الدولية الهامة من التمويل بينما تستغل دول أخرى الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها الدول الأخرى لشراء أصولها من أجل التعمق في بنيتها الاقتصادية والسياسية، فإن العمل في هذا الاتجاه يمكن أن يطور صورة "القوة الراعية،" ويمثل فرصة لإشباع البعد الإنساني في العلاقات بين البلد المانح وسكان البلد المتلقي. ويوجد الآن فهم لكيفية بناء السياسة الإنسانية في هذا الاتجاه بشكل صحيح، ومن المهم الحفاظ على هذا الدافع وتوجيهه في الاتجاه الصحيح عمليًا.

وأخيرًا، تتلخص الانتقادات المتكررة لروسيا في عملية رسم سياسة قوتها الناعمة في افتقارها إلى أي إيديولوجية واضحة في السياسة الخارجية. ويعتقد الذين يخالفون هذا الرأي أن روسيا لديها إيديولوجية مشابهة بشكل كبير للغرضين التاليين: فالبعض يرون أنها "محافظة"، ويراها البعض الآخر "براجماتية بحتة"، وكلا الإيديولوجيتين صالحتين للتطبيق في الشرق الأوسط. ويقف آخرون على النقيض من ذلك كله من خلال قناعتهم بأن الإيديولوجية الروسية تفند بلا داعٍ حرية مناورة السياسة الخارجية، ويتحدثون عن الحاجة إلى "فكرة واحدة كبيرة" قادرة على "إرساء" استراتيجية السياسة الخارجية بالكامل. ويُفترض أن روسيا تفتقر إلى مثل هذه الفكرة، في حين تمتلكها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وتركيا وإيران. وإذا كان لسان حال سياسة القوة الناعمة التي تنتهجها الولايات المتحدة يقول: "افعلوا كما نفعل ــ وأصبحوا مثلنا"، ومنطق الاتحاد الأوروبي يقول: "افعلوا كما نفعل ــ وكونوا معنا،" فإن نشاط روسيا لسنوات عديدة في الشرق الأوسط قد يسمح لنا اليوم بصياغة الفكرة التالية: " كونوا معنا ــ وابقوا كما أنتم." وتعكس هذه الفكرة مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط من جهة، والتوجه إلى التعاون من جهة أخرى دون التعدي على تقاليد هذه البلدان وقيمها وثقافتها ونظمها السياسية.

وبصفة عامة، تكون القوة الناعمة غالبًا أقل تكلفة من القوة "الصلبة" وتعتمد إلى حد كبير على نوعية الوكلاء المحليين، وعلى عكس العقود العسكرية، فإنها لا تحقق ربحًا سريعًا، لكن الاستثمار فيها مقوم بعملة مختلفة: الناس، وولاؤهم وامتنانهم (حتى لو لم يتم التعبير عن ذلك)، وقبولهم لروايتك، ورؤيتك للمستقبل (إن وجدت)، "ورمز التفكير" لكيفية جعل هذا المستقبل حقيقيًا. وإذا توفرت كل هذه المقومات، فإن تصميم سياسة القوة الناعمة يمكن أن يكون استثمارًا قيمًا طويل الأجل.

 

عنوان المقال الأصلي : Russia in the Middle East: “Be with Us – and Remain Yourself”
اسم الكاتب : Maxim Suchkov
مكان وتاريخ النشر:Modern Diplomacy / July 6, 2020
ترجمة: وحدة الترجمة والتعريب / أ. فراس أبو عدل
رابط المقال الأصلي: https://moderndiplomacy.eu/2020/07/06/russia-in-the-middle-east-be-with-us-and-remain-yourself/

 

 

 

عن أ.فراس أبو عدل

حاصل على ماجستير في الترجمة السمعية والبصرية، مدرس في الجامعات السورية.

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …

64 تعليق

  1. 371760 678351I come across your webpage from cuil and its high quality. Thnkx for giving this sort of an incredible post.. 659831

  2. 30789 478310I found your weblog web site on google and check a couple of of your early posts. Proceed to sustain up the extremely great operate. I just extra up your RSS feed to my MSN News Reader. Searching for ahead to reading extra from you later on! 342897

  3. 57721 286610Spot up for this write-up, I actually believe this web internet site requirements a fantastic deal far more consideration. Ill likely to end up once more to read a great deal much more, a lot of thanks for that information. 929108

  4. Quality content is the crucial to be a focus for the visitors to go to see the site, that’s
    what this web site is providing.

  5. Your style is very unique compared to other people I
    have read stuff from. Many thanks for posting when you’ve got the opportunity, Guess I’ll
    just bookmark this blog.

  6. After I оrigіnaⅼlʏ ⅼeft a comment I аppear to have
    clicked on the -Notify me when new comments are added- checkbox and now each time a comment is added I get four emails with the same
    comment. Is there an easy method ʏօou can rеmove me from that service?
    Mаny thanks!

    Review my weeb site :: best car Accident lawyer

  7. Extremamente boa postagem, amei especialmente do esse
    ponto de vista no final do website. Congratulações e continhe compartilhando mais Dados de qualidade como esta.

  8. Não é a primeira vez que visito este site, gosto muito dos seus textos, são agradáveis de se
    ler. Tenho visto diariamente. E é realmente muito bom!
    Parabéns!

  9. A person essentially lend a hand to make
    significantly articles I would state. That is the
    first time I frequented your website page and up to now? I surprised with the research you made to make this
    actual publish incredible. Great activity!

  10. Unquestionably believe that which you stated. Your favorite reason seemed
    to be on the web the simplest thing to be aware
    of. I say to you, I definitely get irked while people consider worries
    that they plainly don’t know about. You managed to hit the nail upon the top and also defined out the whole thing without having
    side-effects , people could take a signal. Will probably
    be back to get more. Thanks

    Also visit my web blog … mbrdev.com

  11. I wanted to thank you once more for that amazing web-site
    you have made here. It is full of ideas for those who are seriously interested in this
    subject, in particular this very post. Your all really sweet plus thoughtful of others as well as reading your site posts
    is a good delight with me. And exactly what a generous present!
    Mary and I will have enjoyment making use of your points in what we have to do in a few days.
    Our collection of ideas is a kilometer long which means that your tips
    are going to be put to good use.

    Feel free to visit my blog post … Green Earth CBD Gummies Review

  12. This paragraph will assist the internet visitors for creating new web site or even a
    blog from start to end.

    my web page fenshuajiang88.com

  13. Excellent blog! Do you have any hints for aspiring writers?
    I’m planning to start my own website soon but I’m a little lost on everything.
    Would you suggest starting with a free platform like WordPress or
    go for a paid option? There are so many options out there that I’m totally overwhelmed ..
    Any tips? Many thanks!

    Also visit my webpage … Paramore Cream

  14. Thank you for every other informative web site.
    The place else may I am getting that type of information written in such a perfect
    way? I’ve a mission that I’m simply now operating on,
    and I’ve been on the glance out for such info.

    Also visit my web page; IQ SuperCharged Review

  15. If you are going for most excellent contents like me, simply pay
    a visit this site everyday since it offers quality contents, thanks

    Look at my website – Re ViVium Cream

  16. I am constantly looking online for tips that can aid me.
    Thx!

    Here is my web-site Mack And Sons CBD Oil Review

  17. Really clear web site, thanks for this post.

    Stop by my homepage: Paramore Cream Ingredients

  18. I went over this web site and I think you have a lot of great info, bookmarked (:.

    my web-site: Keto Redux Review

  19. Really no matter if someone doesn’t know after that its up to
    other viewers that they will assist, so here it takes place.

    my page; http://librarius.main.jp/

  20. I am forever thought about this, thanks for putting up.

    Feel free to visit my site: https://flightseasy.net/viewtopic.php?id=604326

  21. I believe what you wrote made a great deal
    of sense. But, consider this, what if you added
    a little information? I ain’t saying your content is not good., but
    suppose you added something to possibly get people’s attention? I mean السياسة الناعمة الروسية
    في الشرق الأوسط: “كونوا معنا – وابقوا كما أنتم” – مركز ماري للأبحاث و الدراسات
    is a little plain. You could peek at Yahoo’s home
    page and see how they create post titles to grab
    viewers to open the links. You might add a video or a picture or
    two to grab people excited about what you’ve written. In my
    opinion, it might bring your posts a little
    bit more interesting.

    Feel free to surf to my site: clubriders.men

  22. I am regular reader, how are you everybody? This article posted at this
    website is really pleasant.

  23. For newest information you have to visit world-wide-web and on web I found this website as a finest site for
    most up-to-date updates.

    Feel free to visit my web site :: Pure Keto Burn

  24. I have fun with, cause I found just what I was having
    a look for. You’ve ended my four day lengthy hunt! God Bless
    you man. Have a nice day. Bye

    My homepage; Re ViVium Age Rescue Cream

  25. Hello my family member! I want to say that this post is amazing, nice written and come with almost all significant infos. I would like to look more posts like this .

  26. Pretty nice post. I just stumbled upon your blog and wished to say that I have truly loved surfing
    around your blog posts. After all I’ll be subscribing on your feed and I am hoping you write once more soon!

    My blog Alpha Extracts

  27. There is clearly a bundle to realize about this.
    I suppose you made certain nice points in features also.

    Feel free to visit my homepage :: Cool Portable AC

  28. Hi there, I enjoy reading through your post. I wanted to write a little comment
    to support you.

    my site … Total Pure CBD Review

  29. What’s up i am kavin, its my first time to commenting anywhere, when i
    read this article i thought i could also make
    comment due to this sensible piece of writing.

    My web site … http://www.vstromturkiye.com/index.php?action=profile;u=75717

  30. I think this is among the most vital information for me.

    And i am glad reading your article. But wanna remark on few general things, The site style is perfect, the articles is really
    nice : D. Good job, cheers

    my page: Advanced CBD Review

  31. Hi, i think that i noticed you visited my blog thus
    i came to ?return the prefer?.I am attempting to to find things to improve my website!I guess its ok to make use
    of a few of your ideas!!

    my website; Renown CBD Reviews

  32. I read this post completely concerning the comparison of most up-to-date
    and preceding technologies, it’s awesome article.

  33. I have been exploring for a little for any high quality
    articles or blog posts in this sort of house . Exploring in Yahoo I finally stumbled upon this
    site. Reading this info So i’m satisfied to exhibit that I’ve an incredibly good uncanny feeling
    I came upon exactly what I needed. I such a lot surely will make sure to don?t forget this site and give
    it a glance regularly.