سؤال الهوية… سورية الباحثة عن هوية ثقافية

 

من نحن؟  سوريون، عرب، مسلمون، هل ننتمي لقومية أم اثنية أم دين؟ هل نحن مدينيون أم ضيعجيون ريفيون؟ هل نحن أياً من ذلك أم كل ذلك. هل ننتمي للتاريخ والتراث، والمستقبل المتفاعل معهما؛ أم ننتمي للعولمة والأممية العالمية؟

يتميز سؤال الهوية بأنه سمة عامة للزمن الذي نعيشه، وكل زمن. ويزداد طرح هذا السؤال بقوة في حالة اهتزاز المشتركات بين أبناء المجتمع في حالات الحروب الداخلية أو عدم الاستقرار، ونتيجة لذلك تظهر الهويات الفرعية التي تشكل للفرد بيئة متخيلة من الإحساس بـ "الأنا- نحن". ومع ذلك فإن صعود الهويات الفرعية نتيجة تآكل وأفول الهوية القومية أصبح سمة العقود الأخيرة من القرن الماضي كما يقول صموئيل هنتنغتون. الأمر الذي يفرض اعادة طرح سؤال الهوية نتيجة الحالة المتشظية من الهويات الفرعية الناتجة عن حالة الحرب في سورية من جهة، ومن جهة أخرى بسبب تآكل الهوية القومية على المستوى العالمي كما يوصِّفها هنتنغتون.   

ولكن ماهي الهوية و ماهو مدى أهميتها .. مفهوم الهوية من حيث المبدأ متعدد الأوجه ويصعب تحديده بدقة، إلا أن أدق ما يعبر عن الهوية الثقافية برأيي ما طرحه البروفيسور أحمد داوود أوغلو في كتابه العمق الاستراتيجي عندما وصفها بأنها " نتاج وعي مشترك بالتراكم التاريخي الذي يحوي بداخله القيم الثقافية والنفسية والدينية والاجتماعية…" فالهوية الثقافية هي عقل الأمة وهي بنية معرفية تاريخية تتشكل عبر إحساس الأفراد بالمكان والزمان، وتشكِّل خصوصية مجتمع بعينه. وتبرز بشدة أهمية تحديد الهوية الثقافية للمجتمع عند حالات عدم الاستقرار أو عندما تحاول "دولة" أو أمة بعينها الظهور على مسرح الحضارة البشرية من جديد.

يتفاعل الواقع السوري الحالي مع صعود عددٍ من الهويات الفرعية والجزيئية التي أفرزها واقع الحرب من جهة وتراجع وقع الهويات القومية عالمياً، فحالة الصعود لهذه الهويات الفرعية كما تخبرنا التجارب التاريخية تشكل حالة نقلة باتجاه اعادة انتاج الهوية الثقافية المؤسسة والمشتركة. فلا تلبث هذه الهويات الفرعية أن تتراجع، عندما تبدأ الحالة الهوياتية الغامرة بإنتاج الفعل الثقافي المؤسس للمشتركات بين الهويات الفرعية على صورة هوية غامرة لا تلغي وإنما تؤطر مختلف الهويات الفرعية المشكلة للأنساق الجزئية للمجتمع.

يقرر علماء السيسيولوجيا مسألة مهمة في هذا الإطار وهي الحاجة إلى تعريف الناس أنفسهم بمقابل الآخر، فكما تشير نظرية الهوية الاجتماعية فإن البشر ينحازون لصالح مجموعاتهم الضيقة عندما تقارن بمجموعة أخرى. ففي ظل تراجع وهج الهوية القومية واختلال الرؤية إلى التراث، وعدم تبلور الـ "نحن" الحقيقية، يعرف البعض منا أنفسهم بأنهم أمويون أو سريان أو أبناء مدينة… هذه التعريفات وغيرها أتت كردة فعل في إطار حالة عدم استقرار نفسي أو رغبة في خلق " آخر" ومواجهته في ظل عدم القدرة على مواجهة الـ " الآخر" الحقيقي.

وبالرغم من الصورة القاتمة لتشظي الهوية الحالية في الواقع السوري، إلا أن هذا التشظي بحد ذاته سيدفع باتجاه إعادة اكتشاف الهوية الثقافية الحقيقية لمجتمعنا، ويدعم هذا الاستنتاج التحليل السوسيولوجي والسوابق التاريخية. وفي هذا الاطار يشكل الحامل الثقافي التراثي عاملاً يصعب تجاهله في هذه الحالة، وهنا يمكن مقارنة الحالة التي يمر بها مجتمعنا بحالة أعقد سؤالٍ عن الهوية في القرن العشرين والقرن الذي سبقه وهي حالة الهوية الأميركية فمن كتابات ألكسي دي توكفيل مروراً بجيمس برايس وصولاً إلى صموئيل هنتنغتون شكل العامل الثقافي الديني بؤرة التجمع لمختلف الهويات الجزئية التي شكلت الهوية الأميركية.

 ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة في واقعنا المعاش المتسم بتشظي النظرة الهوياتية إلى هوية جامعة تعيد تأسيس الوعي الهوياتي للمجتمع على أسس متراكمة عامة وفق صورة نواة أو تيار ثقافةٍ متجذرة سائدة إلى جانبه ثقافات أخرى.

معالم هذه الهوية الجامعة التي يمكن أن تعيد تجميع الهويات الجزئية الفرعية تنبثق من الإرث التاريخي لـ"دولة المدينة" واستمرارها في الخلافة الراشدة مروراً بالسلالات والعائلات التي حكمت بعد الخلافة الراشدة (الأمويون –العباسيون-العثمانيون). وبالرغم من تعدد هذه السلالات التي حكمت المجتمع خلال المراحل التاريخية الماضية إلا أنهم حافظوا على الهوية المؤسسة لمصادر الإلزام السياسي وعلى بنية الهوية الثقافية الجامعة لمختلف الأعراق والإثنيات وحتى الأديان المشكلة للأمة – الدولة. تشكل اذاً تلك الحالة التراثية المستند الذي يمكن أن يتفاعل على أساسه الماضي بالحاضر مع المستقبل ليعيد انتاج هوية جامعة تأخذ البعد التراثي ومتطلبات الحاضر بعين الاعتبار. في هذه الحالة فقط يمكن أن تستعيد المنطقة التي نعيش فيها زمام المبادرة في تشكيل هويتها الخاصة بعيداً عن تأثير "براديغم التبعية والنظرة التطورية" على حد تعبير برتنارد بادي وغي هرمت التي عملت بعض الثقافات الأخرى من خلالها على توجيه صنع هوياتٍ لمجتمعات المنطقة تبعدها عن مصادر قوة هويتها الحقيقة.   

تتشكل الدول أو يعاد تشكلها أو تشكيلها عبر طرقٍ عدة، إلا أن الدولة التي لا تصل بنفسها إلى هوية مستقرة تلامس عمق المجتمع والأمة المشكلة لها تبقى عرضة للتجاذبات ولضغط العوامل الداخلية والخارجية وستكون مثالاً لما وصفه كل من برتنارد بادي وغي هرمت بالديناميات اليتيمة المنقطعة الجذور، فهذه الدول -ومن بينها سورية- التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية ووفق المنطق الثقافي الغربي ولم تأخذ بعين الاعتبار ثقافتها المؤسِّسة بقيت تعيش حالة الاهتزاز البنيوي وعدم الاستقرار المجتمعي كونها نتجت أساساً عن بواعث غريبة عن واقعها الحقيقي ولم تأخذ بعين الاعتبار متغيراتها الثقافية الخاصة فأنتجت شيئاً يشبه الدولة من حيث الشكل فقط.

إن سؤال الهوية وما يفرضه من نقاشات ومسارات وجدلٍ في هذه الأوقات لا ينظر إليه برأي على أنه حالة مرضية بل هو المقدمة التي ستنتج الوعي الثقافي بالهوية الغامرة نظراً للحاجة له في ظل استقطابٍ هوياتي شديد الحساسية نعيشه في هذه الأوقات.

وبالرغم من صورة الواقع الراهن وفيض الجدل حول الهوية، يمكن التأكيد هنا على أنه مهما تشكل من مساحاتٍ فارغة تملؤها قوى فرعية ومغامرة مستغلة الفراغ والانقطاع الهوياتي، فلا بد للنسق السلوكي الغالب للمجتمع ومنظومته الثقافية الغامرة أن تبتلع كل تلك القوى.  

عن د.عبادة تامر

دكتوراه في العلوم السياسية. أستاذ جامعي وباحث أكاديمي.

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …