الخلاف الروسي-التركي في إدلب قراءة في الأسباب والسيناريوهات

يبدو أن مدينة إدلب ومحيطها ذاهبة باتجاه ترتيبات عسكرية وسياسية جديدة في ظل مجموعة من المؤشرات التي تدلل على الأمر، بعد استئناف الطيران الروسي قصفه لمدن وبلدات في الشمال السوري المحرر بعد ستة أشهر من الهدنة، وذلك بعد فشل اللقاءات التي جمعت الجانبين الروسي والتركي في أنقرة الأسبوع الفائت، والذي سبقه تعليق روسيا للدوريات المشتركة مع تركيا على الطريق الدولي حلب – اللاذقية M4.

حيث بات من المعتاد فيما يتعلق بالعلاقات الروسية-التركية المرتبطة بالقضية السورية، أن أي تغيير عسكري على الأرض يسبقه استعصاء سياسي أو خلافات واضحة بين الدولتين، فالخلاف  الحالي لا يختلف عن الخلاف السابق الذي حصل بينهما في نهاية العام الفائت والذي نتج عنه اجتياح جيش النظام السوري بدعم من الطيران الروسي ومن المليشيات العراقية واللبنانية والإيرانية لمناطق ريفي إدلب وحلب والذي نتج عنها توقيع اتفاق روسي- تركي في الخامس من آذار الماضي حمل اسم “البرتوكول الإضافي للمذكرة حول إرساء الاستقرار في منطقة إدلب لخفض التصعيد”. إذ تشير العديد من التحليلات إلى أن الاتفاق السابق بطريقه إلى التعديل ضمن سيناريو جديد يشير إلى تغيير شكل النفوذ خلال الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة وفقاً لتفاهمات جديدة قد يتوصل إليها الطرفان.

أسباب الخلاف الروسي-التركي:

تشير القراءة الأولية للأسباب التي أدّت إلى الخلاف الروسي-التركي في إدلب إلى محاولة كل طرف الزام الطرف الثاني بالتعهدات والالتزامات المكتوبة والشفهية التي تم التوصل إليها ضمن إطار اتفاق سوتشي والاتفاق المكمل له، فحسب تقارير العديد من الصحف الروسية والتركية فإن الخلاف نتج عن رفض تركيا لمطلب روسي بسحب نقاط المراقبة التركية وتخفيض وجودها العسكري في بعض مناطق إدلب وتحديداً في المناطق الواقعة جنوب الطريق الدولي حلب – اللاذقية M4 في قرى وبلدات شير مغار ومورك والصرمان وتل طوقان، في مقابل رفض روسيا لتنفيذ تعهداتها لتركيا التي قضت بإخراج قوات سورية الديمقراطية (قسد) من مدينتي منبج وتل رفعت، وتسليمها للفصائل العسكرية السورية في الشمال السوري.

تعكس هذه الخلافات، التي تحمل الكثير من الدلالات في هذا الوقت بالذات، ازدياد تباين الرؤية بين الجانبين حول الترتيبات المتعلقة بملف إدلب. فمن جهة تسعى روسيا، من خلال تحريك ملف إدلب في هذا الوقت الذي يشهد انشغال تركيا بالعديد من الملفات الإقليمية التي لا تقل أهمية عن ملف إدلب، كالخلاف مع اليونان وقبرص حول التنقيب في مياه الحوض الشرقي للمتوسط والخلاف مع فرنسا والاتحاد الأوروبي حول ملف مياه الحوض الشرقي للمتوسط والملف الليبي، إلى الحصول على تنازلات من تركيا فيما يتعلق بمناطق خفض التصعيد الخاضعة للنفوذ التركي بالإضافة إلى مصير الطرقات الدولية M4 وM5 ، حيث يبدو أن روسيا من خلال هذا التصعيد تسعى إلى محاولة الضغط على تركيا بهدف إعادة ضبط دورها في المنطقة من خلال إخراجها من المناطق التي تنتشر فيها نقاط المراقبة التركية في محاذاة الطريق الدوليM4  للاستفراد بالسيطرة عليه، متذرعة بالتهديدات الأمنية المستمرة لمسار الدوريات المشتركة وللمصالح الروسية في المنطقة، قبل التفرغ لمناقشة مصير الطريق الدولي M5.

في حين تسعى تركيا من خلال رفضها لهذا الطرح إلى المحافظة على تواجدها الفعلي والفعال في الترتيبات السابقة التي تم الاتفاق عليها في سوتشي وأستانة، فمن جهة  لا تريد أن تفقد سيطرتها المشتركة مع روسيا على طريق M4 كون هذه السيطرة تشكل ورقة مهمة بيدها في ترتيبات المنطقة ككل، وذلك تفادياً للمحاولات الروسية القائمة على سياسة “القضم الجغرافي” ومحاولة فرض واقع جديد يفرض تفاهمات واتفاقيات جديدة، ومن جهة أخرى تسعى تركيا من خلال الحفاظ على نقاط المراقبة التي تقع ضمن المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام أواخر عام 2019 وبدايات عام 2020، إلى دفع روسيا لتنفيذ الالتزامات التي تقضي بانسحاب قوات النظام من المناطق الداخلة ضمن حدود “سوتشي” الممتدة بين مورك في ريف حماة ومنطقة سراقب واستبدال تلك القوات بعناصر مشتركة روسية – تركية ، وبذلك تضمن تركيا عودة آمنة للنازحين إلى قراهم و مدنهم التي فروا منها خلال المعارك الأخيرة ومن جهة أخرى تضمن عدم حصول موجات جديدة للنزوح باتجاه حدودها وباتجاه المخيمات التي أصبحت مكتظة.

طبعاً يتداخل هذا الخلاف الخاص بملف إدلب مع العديد من الملفات الأخرى وربما أهمها هو الملف الليبي الذي يبدو أن تأثيره على ملف إدلب كبير في ظل محاولة روسيا ربط الملف الليبي بالملف السوري ومحاولة دفع تركيا لتقديم تنازلات في الملف الليبي مقابل تنازلات روسية في الملف السوري، كذلك يتداخل هذا الملف مع ملف منطقة شرق الفرات التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية (قسد)، والمحاولات الروسية لعقد لقاءات وتفاهمات مع قوات سورية الديمقراطية (قسد) لفرض واقع جديد في المنطقة يتناقض مع ما تم الاتفاق عليه في مذكرة سوتشي التي نصت على إبعاد التنظيمات التي تصنفها تركيا بالإرهابية عن المناطق الحدودية.

لذلك يمكن القول أنّ موقف تركيا مبني في هذا الصدد على رفض الطروحات الروسية الخاصة بوضع مدينة إدلب ووضع الطرقات الدولية فيها قبل التوصل إلى تفاهم شامل يضمن أمن إدلب والأمن القومي التركي، بما في ذلك التفاهم على مصير مدينتي منبج وتل رفعت الاستراتيجيتين التي تطالب تركيا روسيا بتنفيذ تعهداتها السابقة بإخراج قوات سورية الديمقراطية (قسد) منها وتسليمهما للفصائل السورية في الشمال.

السيناريوهات المحتملة:

في ظل المعطيات السابقة يمكن طرح ثلاث من السيناريوهات المتوقعة لمصير الترتيبات العسكرية والسياسية في الشمال السوري المحرر.

السيناريو الأول: اكتفاء روسيا بالتصعيد العسكري من خلال القصف الجوي دون وجود عمليات عسكرية برية وذلك بهدف الضغط على تركيا وحملها على القبول بالطلبات الروسية، وهنا يمكن القول أن تركيا متصلبة برأيها ولن تستجيب للطلبات الروسية، والدليل على ذلك إرسالها بعض الأرتال العسكرية في محاولة لتعزيز الخط الدفاعي جنوبي الطريق الدولي M4 في جبل الزاوية.

السيناريو الثاني: إنهاء عملية التصعيد العسكري الروسي والعودة مجدداً للمفاوضات حول النقاط الخلافية بين الطرفين، والتي يتقدمها موضوع النقاط العسكرية التركية وسحب الآليات الثقيلة وتخفض الوجود العسكري التركي وفتح الطريق الدولي M4 وإبعاد الفصائل العسكرية التي تصفها روسيا بالإرهابية.

السيناريو الثالث: توسع التصعيد العسكري من خلال القصف الجوي ليشمل عمليات عسكرية برية لقوات النظام والميليشيات المساندة لها في محاولة لاجتياح المناطق الواقعة جنوب الطريق الدولي M4 ومحاولة إعادتها لسيطرة قوات النظام.

في ظل هذه السيناريوهات الثلاث يمكن ترجيح السيناريو الثاني فهو الأقرب للتحقيق على أرض الواقع كون الخلافات الحالية بين روسيا وتركيا هي خلافات حول الإيفاء بتعهدات والتزامات نصت عليها اتفاقيات سابقة بين الطرفين، وبالتالي سيحاول الطرفان من خلال لقاءات جديدة التوصل إلى آلية مشتركة تمثل نقطة التقاء قد تكون من خلال حصول مقايضة بين منبج وتل رفعت من جهة ومناطق جنوب الطريق الدولي M4 من جهة أخرى، وقد تكون على شكل تعديل على تفاهمات سابقة، والخروج بصيغة جديدة تلبي جزءاً من مطالب الطرفين بعيداً عن التصعيد العسكري، لكن تحقيق هذا الأمر يحتاج إلى وقت ليس بالقصير وإلى ترتيبات عديدة قد تمتد لأشهر، فالعلاقات الروسية-التركية متداخلة وعابرة للحدود السورية وهي علاقة مصالح دولية عليه لا توجد حلول أو اتفاقات نهائية بقدر ما هي تكتيك لصالح استراتيجيات مستقبلية لهذه الدولة أو تلك.

عن د.بشار نرش

أكاديمي وباحث سوري متخصص بالعلاقات الدولية

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …