الكليبتوقراطية نظام حكم اللصوص في سورية

يُقال أن “السلطة والمال صنوان لا يفترقان”، وهذان الصنوان يشكلان الأساس الذي يقوم عليه حكم “الكليبتوقراطية” التي يُعرّفها معجم العلوم السياسية بأنها نظام حكم يقوم جوهره على الفساد واللصوصية ونهب الثروات العامة، بحيث يستغل فيه الممسكون بالسلطة الموارد القومية لتحقيق منافع شخصية على حساب بقية الشعب.

وفي موضع آخر تعرّف منظمة الشفافية الدولية، “الكليبتوقراطية” بأنها الاستحواذ على الدولة من خلال توظيف المنظومة الحكومية بالكامل من أجل الإثراء الشخصي أو الجماعي للقلة الحاكمة، كما يمكن تعريف “الكليبتوقراطية” بأنّها نظام حكم اللصوص الذي يجمع ما بين السلطة السياسية والثروة الشخصية للحاكم أو القلّة الحاكمة على حساب الجماعة التي تمثل الأغلبية، بحيث تقوم سلطة الفساد في هذا النظام على تحالف متين بين السلطة السياسية وسلطة مافيات لصوصية تسطو على الثروة العامة بوسائل عديدة يتم شرعنتها بآليات عمل حكومية رسمية.

وبالتالي، يمكن القول نظام “الكليبتوقراطية” هو نظام السرقة القانونية والممنهجة للمال العام والثروة الوطنية من قبل فئة تُعرف بـ “الكليبتوقراط” التي تقوم بالاستحواذ على الدولة عبر بسط سيطرتها على أجهزة الدولة المختلفة وتوظّف المنظومة الحكومية بالكامل من أجل الإثراء الشخصي وبما يخدم مصلحتها، فهؤلاء “اللصوص القانونيين” إنما يقومون بسرقاتهم من خلال صياغة قوانين للتحايل على القانون عن طريق القانون متبعين في ذلك ثلاثة طرق أساسية وهي:

  • سن القوانين التي تشرّع لهم السرقات وتحميهم من جهة، ومن جهة أخرى لمعاقبة المنتقدين والمعارضين، متبعين في ذلك قاعدة أساسية تقوم على “تأميم المخاطر وخصخصة الأرباح”.
  • خلق الصراعات وزرع الفرقة داخل المجتمع مع عمل استقطابات وهمية بين أفراده لتسهيل بسط هيمنتهم عليه وتقديم أنفسهم كضامنين لاستقراره ووحدته.
  • ترسيخ الثقافة الانتهازية والوصولية القائمة على الفساد والمحسوبيات والرشاوى.

وعلى الرغم من أن مصطلح “الكليبتوقراطية” لا يتردد كثيراً في الفضاء المعرفي العام، إلا أن استخدام هذا المصطلح غالباَ ما ينحصر في الأوساط الأكاديمية، أو في مجال الصحافة المتخصصة، التي تتناول شؤون السياسة والاقتصاد لتصف بشكل أساسي الحكومات التي تكرس جل جهودها في جمع الأموال والمميزات التي يجب أن يتمتع بها الشعب لتحويلها إلى ثروات شخصية وسلطات سياسية يتم منحها للمسؤولين الحكوميين والقلة الحاكمة.

بالنسبة لنظام الحكم في سورية، فمنذ انقلاب حافظ الأسد على السلطة عام 1970 والذي جاء تحت مسمّى “الحركة التصحيحية”، تم ترسيخ طبقة وفئة معينة من اللصوص والمنتفعين الانتهازيين المرتبطين بنظامه الأمني عملوا على مصادرة اقتصاد البلد لصالح عدد من الأسر لا يزيد عددها عن أصابع اليد الواحدة لدرجة أن أغلب الشركات والمؤسسات والفنادق والبنوك مملوكة لهم أو تعمل لصالحهم أو هم شركاء فيها. وتعتبر عائلة مخلوف، التي ترتبط بالمصاهرة مع عائلة الأسد من أغنى العائلات في سورية، وثانيها من حيث السطوة والنفوذ بعد عائلة الأسد، حيث كانت هذه العائلة تسيطر قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011 على 60 % من الاقتصاد السوري، حصلوا عليها على مدار عقود من الفساد والترهيب والرشوة والاختلاس والتزوير والابتزاز.

وفي مقاربة لتفاوت العدالة وكرامة الحياة، بين الطبقة التي أنتجها نظام الأسد بشقيه الأب والابن وهي طبقة “الكليبتوقراط” التي لا تتجاوز نسبتها 10% من سكان سورية، وتضم آل الأسد وحاشيته وضباط الأجهزة الأمنية ورجال الأعمال والتجار، وبين الطبقة المقابلة التي تنضوي تحت سقفها عموم الفئات والتي تشكل قرابة 90% من السوريين، تبدو الفجوة الاقتصادية والاجتماعية كبيرة جداً، والأرقام الخاصة بسورية خلال السنوات الماضية خير دليل على ذلك، فعلى سبيل المثال، تتصدر سورية قائمة الدول الأكثر فقراً بالعالم حيث يعيش أكثر من 90% من الناس تحت خط الفقر والذي يقدّر أممياً بنحو دولارين يومياً للفرد ( قرابة 6500 ليرة سورية) بحسب ممثلة منظمة الصحة العالمية في سورية أكجمال ماجتيموفا، كما تحتل سورية المرتبة 178 من أصل 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد لعام 2020 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية متقدمة في ذلك على دولتي جنوب السودان والصومال فقط.

فالفساد في سورية له خصوصية لا يماثلها أحد في دول العالم، كون الفساد يأخذ بعداً عائلياً وطائفياً وعقائدياً، وهو فساد منظّم تشرف عليه شبكة “كليبتوقراطية” مركزية تسيطر بشكلٍ كاملٍ على الاقتصاد وتسخره لمصالحها وتعظيم أرباحها مستخدمة في ذلك أدوات القوة الرسمية وغير الرسمية وخاصةً المؤسسة الأمنية التي تجاوزت خلال سنوات الثورة السورية حدود التوحش، لتنهش خلال أحداثها وما رافقها من تدمير وتهجير وقتل وخطف واغتصاب لحومَ السوريين، وتواصل رهانها على استمرار الحرب كمورد إضافي لثرائها، وزيادة حجم ملاءتها المالية، فخمسون عاماً من السلطة والحكم البوليسي خلقت حالة من الإدمان في التسلط والنهب والبطش لدى تلك الفئة التي ما زالت ترى رغم كل شيء أن الحكم ملكها وحقها، وما زالت عروقها تضرب في كل المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، تحركها مافيا من رجال الأعمال والتجار والضباط وقادة المليشيات بما فيهم وزراء ومسؤولون أفرزهم هذا النظام ، هذه الفئة التي يجمعها مسمّى “الكليبتوقراط” ترفض بأي مشاريع تغييرية وتقاومها، كونها ستقضي على مصالحهم ومن الطبيعي أن ينظروا إلى هذا البلد بأنه إقطاعية يملكونها هم وأبناؤهم، وما الشعب إلا عبداً لهم مسخراً لخدمتهم وخدمة أولادهم وأزلامهم، حتى أصبح الحديث عن سورية في السنوات الأخيرة مرادفاً للحديث عن عائلة تملك دولة، وليس دولة تحكمها عائلة شعارها الوحيد “الأسد أو نحرق البلد”.

عن د.بشار نرش

أكاديمي وباحث سوري متخصص بالعلاقات الدولية

شاهد أيضاً

القيم الديمقراطية ومحاولة الاستجداء

يذهب الفيلسوف الألماني “Georg Friedrich Hegel” إلى أن الفكر البشري غير ثابت، وإنما أي واقع …

15 تعليق

  1. It’s nearly impossible to find experienced people for this topic, however, you seem
    like you know what you’re talking about! Thanks

  2. Hi it’s me, I am also visiting this website on a regular basis, this site is truly fastidious
    and the people are in fact sharing fastidious thoughts.

  3. Hi there would you mind sharing which blog platform you’re using?

    I’m looking to start my own blog in the near future but I’m having a difficult time
    selecting between BlogEngine/Wordpress/B2evolution and
    Drupal. The reason I ask is because your design and style seems different then most
    blogs and I’m looking for something unique. P.S Apologies for
    being off-topic but I had to ask!

    Feel free to visit my web-site … Total Pure CBD Reviews

  4. Good write-up, I am regular visitor of one’s site, maintain up the nice operate, and It
    is going to be a regular visitor for a long time.

    my webpage :: ultracut keto

  5. Hurrah! In the end I got a weblog from where I can in fact take valuable facts concerning my study and knowledge.

  6. Oi tenho uma pergunta totalmente fora do tópico.
    Poderia me ajudar? Você sabe como tornar o seu site responsivo?
    É porque meu blog parece estranho quando visto pelo meu iphone6.
    Estou tentando encontrar um plugin que seja capaz
    de resolver este contratempo. Se você tiver qualquer sugestão, por favor, compartilhe comigo, ok?
    Desde já agradeço!

  7. O alienista irá diagnosticar o transtorno e também, dependendo da
    situação, prescrever medicações.

  8. І will immediately take hold of youг rsss as Ӏ can not too find your email subscription hyperlink or e-newsletter
    service. Do yoᥙ have any? Please let me recognize in order tһwt I mmay just subscribe.
    Thanks.

    Review my sige – daftar pkv games – wiki.lastshard.net

  9. Јuѕt want to say your article is as amazing.
    Thee clarity in yoјr poѕt іs simply excellent
    and i can assume you arre an expert on this subject.
    Fine with уour permisѕion lett me to ɡrab yоur ᎡЅS feed to keep upԀated with forthcoming post.
    Thanks a million and рlease keep up tthe gratifying wߋrk.

    Check out my ᴡeb-site – poker online pkv terpercaya

  10. I am impressed with this web site, real I am a big fan .

  11. Hi there, I would like to subscribe for this webpage to
    obtain most up-to-date updates, therefore where can i do it please assist.

  12. I am genuinely grateful to the holder of this website who has shared this
    wonderful article at at this time.

    Feel free to visit my page – Nitro Strive Nitric Oxide

  13. This is very interesting, You’re a very skilled blogger.
    I’ve joined your feed and look forward to seeking more of your excellent
    post. Also, I’ve shared your site in my social
    networks!

    Also visit my web site Alpha Extracts CBD Review

  14. I’m impressed, I have to admit. Seldom do I come across a blog that’s both educative and amusing,
    and without a doubt, you have hit the nail on the head.
    The problem is something which too few people are speaking intelligently about.
    I’m very happy I stumbled across this during my hunt for something regarding this.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *