القيم الديمقراطية ومحاولة الاستجداء

يذهب الفيلسوف الألماني “Georg Friedrich Hegel” إلى أن الفكر البشري غير ثابت، وإنما أي واقع بشري معين هو نتيجة طبيعية لفكر إنساني معين عبر التاريخ.

وتقود هذه الفكرة إلى فكرة مُؤداها أن الفكر البشري متقلب بطبيعة التقلبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأن كل وضع اجتماعي وسياسي راهن هو آخر ما أنتجه البشر على صعيد الأفكار وبمجرد حدوث التغيير فهذا يرتهن بتغير الأفكار.

وبحسب Francis Fukuyama في مقاله “هل هي نهاية التاريخ” فإن آخر ما تم إنتاجه على مستوى الفكر البشري السياسي هي “الليبرالية الديمقراطية”، والتي طورها لكتاب اسماه “نهاية التاريخ وخاتم البشر” والذي أحدث موجة جدل ونقاش بين الأوساط السياسية الثقافية العالمية آنذاك، ولابد أنه كان مخطئاً عندما قال إن البشر لا يمكن أن يُنتجوا أفضل من “الليبرالية الديمقراطية” واعترف بخطأ اعتقاده في كتابه “النظام السياسي والاضمحلال” الذي صدر عام2014.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نشوء الديمقراطية في المجتمعات الداخلية الديمقراطية خالٍ من الأخلاقيات الداخلية المشتركة؟  وهل يمكن مشاركة هذه الأخلاقيات على المستوى الدولي؟.

والديمقراطية هنا يمكن تعريفها بإيجاز بأنها عبارة عن “انتخاب الشعب لممثلين يمثلون تطلعاته وتوجهاته بحيث يساهم الشعب من خلال ممثليه في صنع القرار السياسي والإرادة الحقيقية للممثلين نابعة من إرادة الشعب ضمن اُطر دستورية وقانونية”.

ضمن هذا المضمار يمكن القول أنها عبارة عن تقاسم واجماع أخلاقي سياسي يُفضي إلى نتائج إيجابية على صعيد الصلة الأخلاقية بين الحاكم والمحكوم وبين المحكوم والمحكوم الآخر والمؤسسة والمؤسسة الأخرى بآليات دستورية وقانونية حددتها تلك المجتمعات وأسقطتها في أصل الوثائق الدستورية لتصبح مبادئ سامية لا يمكن النيل منها تحت طائلة النيل من روح العقد والإجماع الذي تم الاتفاق عليه، والذي قدّس من مكانة الفرد وأعطاه حقوق لا يمكن تجاوزها بأي شكل من الأشكال. ومن ضمن هذه الحقوق حقوق الإنسان بمختلف أشكالها وحريته وحقه في صنع القرار السياسي.

وللإجابة على الشق الثاني من السؤال يجب أن نطرح على أنفسنا سؤالً آخراً وهو: هل الديمقراطية استمرت في الحفاظ على محتواها الأخلاقي بمجرد حمل رايتها والنداء بأصواتها والخروج للخارج ؟، وما هو النطاق العالمي المسموح لمكوثها من منظور واقعي؟.

وهنا يمكن القول أن العديد من المفكرين والفلاسفة والمنظرين السياسيين كـ   Immanuel Kant- David Held دعوا إلى صبغ النظام العالمي بالصبغة الديمقراطية بشكل فعلي عبر تأسيس نظم ديمقراطية في كافة أرجاء العالم.

ودعا بعض الفلاسفة المعاصرين أيضاً إلى التسلح بإرادة حقيقية عالمية لاصلاح سلوك المنظمة الدولية وأجهزتها الرئيسية كمجلس الأمن الدولي، ومحكمة العدل الدولية وتوجيه سلوكها من السلوك الانتقائي التابع لأهواء دول معينة إلى سلوك ديمقراطي يدعم الديمقراطية العالمية ويعمل على تكريسها، وبالتالي نشر الديمقراطية وتنميه حقوق الدول والحؤول دون احتكارها.

وهنا يمكن الحديث عن مجموعة من العوائق التي تحول دون تحقيق ذلك، منها:

-اختلاف الأهداف والمشاريع والأجندات المتعلقة بمعارك السيطرة والنفوذ الدولي الغير مشروع بما يخالف القيم الديمقراطية للشعوب فتكون الضحية هي الشعوب وأهدافها فبمجرد تحوّل دول مثل دول “الشرق الأوسط” إلى دول ديمقراطية هذا يعني إلى حدٍ ما نسف الخطط والأجندات الخارجية التي تعمل عليها القوى الدولية، وهذا ما يمكن تلمسه من محاولة العديد من القوى الإقليمية والدولية في إجهاض التحولات الديمقراطية في بعض دول “الربيع العربي”.

-منبع الخلل في جوهر المنظمة الدولية وغياب السلطة العليا واحتكار ارادتها من قبل الدول الخمس دائمة العضوية وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا والعمل على حرف بوصلتها بالاتجاه الذي يتناغم مع مصالح تلك الدول.

-دعم النظم الاستبدادية والشمولية ونظم المحاصصة الطائفية في المنطقة والحفاظ عليها من التهاوي والسقوط كما في سورية والعراق ولبنان، وبالتالي تكون وظيفة هذه النظم هي افقار شعوبها ونزع أبسط بذور الوعي والثقافة الديمقراطية والإبقاء على حالة ما قبل الدولة والفوضى السياسية.

-قتل التطلعات الشعبية لإحلال نظم ديمقراطية كما حدث في مصر إبان اسقاط الشرعية وتكريس حكم العسكر عام 2013 فضلاً عن استخدام اسم الديمقراطية من قبل الدول العظمى في إجهاضها واستخدامها كسوط يجلد تطلعات الشعوب وهذا ما رأيناه في مشهد الغزو الأمريكي للعراق 2003 والذي كرس المحاصصة الطائفية باسم إحلال الديمقراطية.

-مشكلة النخب وارتهان بعضها للأجندات الخارجية تارةً والتناحر الأيديولوجي تارةً أخرى وتمييعها وتوجيهها بالمال السياسي أحياناً أخرى.

ومن المتعارف عليه بإن الإشكالية الكبرى في وجه الديمقراطية هو الاستبداد لأنه معضلة الأمراض السياسية والجذر لجذورها بكافه أنواعه وأشكاله لاسيما الاستبداد السياسي والديني والفكري.

فكل دقيقة استبداد تعيشها الشعوب تعطل ساعة ديمقراطية يمكن أن تعيشها تلك الشعوب، فلا استبداد بوجود أخلاقيات ديمقراطية مشتركة حقيقية، ولا وجود لديمقراطية بوجود استبداد.

في ظل هذه الحقائق يمكن طرح التساؤل التالي: ما هو العمل لتجاوز العقبات الخارجية المتمثلة بعدم رغبة الدول الكبرى بالتحول الديمقراطي في دول العالم الثالث؟.

في سبيل الإجابة عن هذا التساؤل لا بدّ علينا في البدء أن نعي أن حقيقة التغيير لا بد ان تتم من الداخل فكل تغيير يأتي من الخارج هو شكلي وسطحي وتجميلي لا أثر له.

لذا لا بدّ من العمل على مجموعة من التغيرات التي تعتبر حجر الأساس للديمقراطية وهي الانتقال من مفاهيم “ما قبل الدولة” إلى مفهوم “دولة المواطنة”، وبناء دولة تقوم على مبدأ فصل السلطات الحقيقي واحترام سيادة القانون، وتكريس الحقوق والحريات نصاً وتطبيقاً وتأويلاً نابعة عن وعي بذاتنا وبتلك الحقوق.

كل ذلك لا بدّ أن يكون في ضوء الاستفادة من تجارب تلك الشعوب بما يتلاءم مع واقعنا ويتشابه مع تاريخنا والابتعاد عن الاستنساخ الفاشل.

فدون البناء الداخلي القائم على قيم الديمقراطية الحقيقية والموائمة مع قيمنا الحرة، والنابعة من ظروفنا الاجتماعية، ووعينا بأننا لن نصل بأيدي ممدودة تستجدي الآخر بل بأقدام تسعى وأيدي تبني وعقل يفكر من أجل نعيد تأسيس الدولة على قيم الديمقراطية.

بقلم : إبراهيم عدنان المحمد

عن mari

شاهد أيضاً

العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث …