العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية :قراءة في منطلقات العلاقة وسيناريوهاتها

بعد استلام الائتلاف الحكومي بقيادة (بينيت -لابيد) للسلطة في “إسرائيل”، خلفاً لبنيامين نتنياهو، جرى الحديث كثيراً عن تغيير الاتجاه في موقف روسيا إزاء الهجمات الإسرائيلية في سورية، وخصوصاً بعد الانتقادات الروسية الأخيرة التي طالت القصف الإسرائيلي لبعض المواقع داخل سورية، الأمر الذي يدفع لطرح تساؤل مهم حول منطلقات العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية وسيناريوهاتها ومكانة “إسرائيل” فيها، وخصوصاً بعد الحراك الدبلوماسي الأخير بين الطرفين والذي شهد ثلاث زيارات إسرائيلية لموسكو بدأها الرئيس الإسرائيلي “إيال حولتا”، ثم رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق “يائير بن شابات” ومن بعده وزير الخارجية الإسرائيلي “يائير لابيد”، وما تبعها من تصريحات روسية أكدت أن أمن إسرائيل من أولويات روسيا.

1- منطلقات العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية

منذ تدخلها العسكري المباشر في سورية اعتمدت المنطلقات السياسية لعلاقة روسيا مع “إسرائيل” فيما يتعلق بالقضية السورية على سياسة واقعية غير أيديولوجية ترتكز على المصلحة وبعيدة عن القيم.

فروسيا الهادفة إلى تقوية وضعها السياسي والعسكري والاقتصادي في منطقة “الشرق الأوسط” والعالم، ترى أنّ التعاون مع “إسرائيل” يشكّل فرصة مهمّة على هذا الصعيد، تخفف عنها درجة من العزلة ومن الضغط الغربي كما تُحسّن صورتها دولياً.

أما “إسرائيل” فترى أنّ التعاون مع روسيا يشكّل ضمانة لتحقيق أهدافها في سورية، ويساعدها على صيانة خطوطها الحمراء التي طورتها مع تطوّر الأحداث في سورية، والتي تتمحور حول  

منع التمركز العسكري لإيران وميليشياتها في الأراضي السورية، ومنع إقامة مصانع أسلحة لقوى العسكرية سواء أكانت محسوبة على الثورة السورية أم على إيران و”حزب الله”.

وبالتالي، وفي إطار هذه الواقعية غير الأيديولوجية، تلاقت المصالح الروسية والإسرائيلية على الجغرافية السورية، حول مجموعة من النقاط أهمها الحفاظ على النظام السوري ولو إلى حين، إلى جانب تقليص الوجود الإيراني في سورية، إضافة للبوابة العريضة المتمثلة بمحاربة الحركات الإسلامية الراديكالية، مع وجوب مراعاة المحاذير الروسية بمنع استهداف قواتها أو مناطق تجمعها أو قوات النظام ومواقعها أو الأسلحة الحديثة المزود بها، مع الاشتراط بعدم التدخل بجهود النظام الرامية لاستعادة المناطق الخارجة عن سيطرته، وهو ما لم تلتزم به “إسرائيل” ضمن عملياتها المسمَّاة بـ”المعركة بين الحروب”.

وعلى الرغم من المصالح المشتركة، يعتري هذه العلاقة مجموعة من المخاوف، فـ”إسرائيل” لديها مخاوف من روسيا تجعلها لا تثق بالنظام الروسي إلى الدرجة التي تغض فيها الطرف عن العديد من الخلافات في وجهات النظر التي قد تتحوّل يوماً إلى خلافات عميقة، كالعلاقة الروسية-الإيرانية والوجود الإيراني في سورية، وإعادة هيكلة مؤسسة الجيش في سورية وتزويدها بسلاح روسي مُتقدّم، أمّا على الطرف الآخر، تبذل روسيا جهوداً كبيرة لمنع “إسرائيل” من تجاهل مصالحها التي يتقدّمها بناء شرعيّة للهيمنة في سورية كقاعدة لتقوية نفوذها الإقليمي وحماية قواتها المتواجدة هناك، إلى جانب نخوفها من تأثير استمرار الضربات الإسرائيلية على سمعة الأسلحة الروسية الموجودة في سورية وفاعليتها، ولهذا السبب نشهد انتقاداً روسياً بين الحين والآخر لضربات “إسرائيل” الجوية لبعض المواقع في سورية.

بناءً على ما سبق يمكن القول إنّ العلاقة الروسية -الإسرائيلية في سورية بنيت تدريجياً كشراكة مصلحية تقوم على أهداف مشتركة ومؤقتة ورؤية براغماتية متبادلة، وصار التنسيق بينهما حيوياً لضمان مصالحهما في المنطقة عموماً، خاصةً في المجال العسكري والأمني، فلا تُمانع “إسرائيل” النفوذ القوي لروسيا في سورية، ولا تعترض روسيا على استخدام “إسرائيل” الأجواء السورية لضرب القوات الإيرانية وحلفائها.

  • سيناريوهات العلاقة الروسية – الإسرائيلية في سورية

لعبت المعادلة الروسية-الإسرائيلية في سورية دوراً حاسماً في تغيير مسار الأحداث في سورية ككل، فبمجرد التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية في خريف 2015، والذي جاء بالتنسيق مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، استطاعت روسيا قلب الموازين العسكرية على الأرض، لتبدأ قوات النظام السوري بمساعدة روسيا باستعادة الأراضي الخارجة عن سيطرتها، حتى وصلت نسبة هذه السيطرة إلى قرابة 65 % من مساحة سورية، بعد أنّ كانت حصّة النظام من هذه السيطرة لا تتجاوز 10 % قبل التدخل الروسي. وعلى الرغم من وجود تفاوت في النظرتين الروسية والإسرائيلية حيال النظام السوري ومسار الأحداث في سورية وأطرافها، إلا أنه يمكن القول هنا أنّ النظام السوري كان أحد أهم المستفيدين من المعادلة الروسية-الإسرائيلية في سورية، حيث شكّلت التفاهمات بين الطرفين دوراً أساسياً في الحفاظ على النظام السوري ومنع سقوطه – إلى الآن، هذا عدا عن دور التفاهمات بين الطرفين في إعادة سيطرة النظام على مساحات واسعة من سورية، وخصوصاً في الجنوب (درعا والقنيطرة) التي تم إرجاعهما إلى سيطرة النظام بموجب تفاهمات روسية-أمريكية-إسرائيلية هَدَفَت بالمقام الأول إلى إبعاد الخطر عن الحدود الإسرائيلية، ليكون بذلك النظام السوري أكبر المستفيدين ولتكون المعارضة السورية من الخاسرين جراء هذه المعادلة وهذه التفاهمات.

وفي قراءة لسناريوهات المواقف والسياسيات حيال الوضع السوري ككل مستقبلاً يمكن القول أنه من المتوقع أن يكون الروس خلال الفترة القادمة أكثر استعداداً للتعاون الأمني والمعلوماتي مع الأمريكان والإسرائيليين، مع استمرار روسيا غض الطرف عن القصف الإسرائيلي للمواقع الإيرانية، وربما التعاون مع “إسرائيل” في هذا الاستهداف (على الرغم من بعض الانتقادات)، مع إحكام السيطرة أكثر على المؤسسات الرئيسية والحيوية في سورية من أجل إرغام الأسد على الدخول الفعلي في العملية السياسية، وفق مسار آستانا الذي تدفع روسيا نحو اعتمده كخيار بديل لجنيف.  

 أما بالنسبة إلى “إسرائيل”، وبالنظر إلى موقفها من القضية السورية ككل، من المتوقع أن تعمل على تبنّي مجموعة من السياسات، والتي تشمل:

  1. على المستوى العسكري والأمني: من المتوقع أن تعمل “إسرائيل” على تطوير خطوطها الحمراء تماشياً مع تطوّرات الدور الإيراني في سورية، إلى جانب التوسّع في الضربات الجويّة على الأهداف الإيرانية في سورية، وقد تتوسّع هذه الضربات لتشمل عناصر داخل قوات النظام السوري أو في أروقة السلطة في دمشق تم تحديدها بأنّها تدين بالولاء أولاً وأخيراً لإيران (الفرقة الرابعة)، وخصوصاً بعد أحداث درعا الأخيرة، وما مارسته بعض الوحدات النظامية المهيمن عليها إيرانياً من دور سلبي في إفشال مساعي تسوية جديدة للأوضاع في المحافظة.
  2. على المستوى السياسي: السعي لإبعاد النظام السوري عن النظام الإيراني، على اعتبار أنّه كلما زاد ارتباط النظام السوري بالنظام الإيراني، زاد التهديد الذي يمكن أن تتعرض له “إسرائيل” انطلاقاً من سورية.
  3. على المستوى الاقتصادي: دعم بعض الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى تقليص اعتماد النظام السوري على إيران، كالسماح للنظام بإعادة الوصول إلى مصادر الطاقة شرق الفرات، أو من خلال دعم عملية إعادة فتح المعابر الحدودية الجنوبية أمام البضائع، وهذا ما حصل في الفترة الماضية من خلال فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، أو من خلال تخفيف بعض العقوبات المفروضة عليه ضمن “قانون قيصر”، وفي هذا الصدد يجري الحديث كثيراً عن وجود توجّه أمريكي لإعفاء الأردن ومصر من تبعات خرق قانون قيصر والسماح بنقل الغاز والكهرباء من مصر والأردن إلى لبنان عبر الأراضي السورية.

لذا من المتوقع أن تبقى احتمالات تدخل “إسرائيل” في القضية السورية وفي مسار التسوية فيها مفتوحة على العديد من الخيارات طالما استمرت هذه القضية صعوداً أو هبوطاً، لأنّ الهدف الإسرائيلي الأساسي لم يتحقق بعد في منع التموضع الإيراني في سورية رغم كثافة الضربات.

في ضوء ما تقدّم، وفي ظل الصعوبة بالوصول إلى استنتاجات حاسمة فيما يتعلّق بمسار الحل النهائي للقضية السورية، يمكن رسم ثلاثة خطوط عريضة لسيناريوهات محتملة، وهي:

الأول: الجمود والمراوحة واستمرار الوضع القائم، هذا السيناريو يبقى لمصلحة “إسرائيل” كونه يساهم باستنزاف قوة إيران ووكلائها، ويضعف النظام وكذلك قوى المعارضة، على مبدأ أن لا مصلحة لـ”إسرائيل” بانتصار طرف على حساب طرف آخر ما لم ينعكس الأمر ميدانياً لصالح أمنها. في حين يعتبر هذا السيناريو سيئا بالنسبة لروسيا، التي تركّز جهودها على عودة الاستقرار السياسي وطرد القوى الأجنبية، لإعادة ترسيخ سيطرة قوات النظام تمهيداً لبدء عملية الإعمار، وبالتالي استثمار الانتصار العسكري وتحويله إلى انتصار سياسي واقتصادي.

الثاني: الحسم العسكري لصالح النظام، وهذا السيناريو قد يكون مرفوضاً لـ “إسرائيل”، لأنها لن تقبل بعودة سيطرة النظام السوري على كامل الجغرافية السورية إذا لم يغير النظام سلوكه الخاص المتعلّق بعلاقته مع إيران و”حزب الله”، في حين يعتبر السيناريو المفضل بالنسبة لروسيا التي تعمل على محاولة إعادة سيطرة النظام على كامل الجغرافية السورية.

الثالث: الحل السياسي، وهو سيناريو مقبول لـ “إسرائيل” في حال نتج عنه حكومة مركزية “معتدلة” لا تشكل تهديداً لأمن “إسرائيل”، وغير مرتبطة بالمحور الإيراني، أو أن تكون ضعيفة كأن تصبح سورية دولة مجزأة وعاجزة عن أداء وظائفها. أما بالنسبة لروسيا يعتبر هذا السيناريو مقبولا في حال تم أخذ مصالحها في سورية والمنطقة بعين الاعتبار، والتي يدخل فيها الحفاظ على قواعدها ووجودها العسكري في سورية.  

عن د.بشار نرش

أكاديمي وباحث سوري متخصص بالعلاقات الدولية

شاهد أيضاً

القيم الديمقراطية ومحاولة الاستجداء

يذهب الفيلسوف الألماني “Georg Friedrich Hegel” إلى أن الفكر البشري غير ثابت، وإنما أي واقع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *